بإصرار القيادة الليبرالية في الكونجرس على بحثها عن مسألة قطع التمويل عن القوات الأميركية في العراق، فإنها تكون بصدد مضاعفة خطر تعرض الولايات المتحدة للهجمات، ليس فقط في الشرق الأوسط، بل حتى داخل التراب الأميركي. ولفهم الأسباب علينا ألا نكتفي فقط بالرجوع إلى العوامل التي أدت إلى غزو العراق، بل علينا العودة إلى أبعد من ذلك، وتحديداً إلى هجمات 11 سبتمبر والنظر في جذورها العميقة؛ ذلك أنه فقط من خلال فهم السياسات التي زرعت بذور 11 سبتمبر يمكننا استخلاص أنجع السبل لمواصلة الحرب العالمية ضد الإرهاب. فحسب المعلقين من "اليسار" الأميركي جاءت هجمات 11 سبتمبر كرد من العالم الإسلامي على السياسة الخارجية الأميركية. وللوهلة الأولى يبدو أن مثل تلك المقولة صحيحة لا يرقى إليها الشك، لكن دعونا نطرح بضعة أسئلة مرتبطة بما يسوقه "الليبراليون" حول الولايات المتحدة: ماذا عن الإمبريالية الأميركية؟ لم يُعرف عن أميركا في تاريخها أنها توسعت إمبريالياً كما هو الحال مع البلدان الأوروبية. لكن ماذا عن الدعم الأميركي للحكام غير "الديمقراطيين" في المنطقة؟ لا يمكن للمسلمين أن يستاءوا من هذا العامل لانعدام أشكال أخرى من الأنظمة في منطقتهم. وماذا عن الانحياز الأميركي لإسرائيل وحروبها ضد المسلمين؟ أجل، لكن أميركا كثيراً ما خاضت حروباً إلى جانب المسلمين في أفغانستان خلال الثمانينيات، وفي حرب الخليج. والواقع أن المثقفين "الليبراليين" على حق فيما ذهبوا إليه، لاسيما وأن الولايات المتحدة ارتكبت خطأين جسيمين في العقود الأخيرة ساهما في التمهيد لهجمات 9 سبتمبر. بيد أن ما لا يدركه "الليبراليون" هو أن تلك الأخطاء إنما جاءت نتيجة للسياسات التي وضعوها بأنفسهم تحت قيادة رئيسين "ديمقراطيين": جيمي كارتر وبيل كلينتون. ولفهم الأسباب، علينا أن نضع الأمور في سياقها التاريخي. فقد أصبح الإسلام الراديكالي قوة سياسية على الصعيد العالمي سنة 1979 عندما انتزع له أول دولة وهي إيران. وقبل ذلك التاريخ كانت الجماعات الإسلامية الراديكالية مثل "الإخوان المسلمين" في مصر تصارع النظام دون تحقيق نجاح كبير في الإطاحة بالحكومات. فتغير ذلك كلياً مع نجاح نظام الخميني في إيران الذي أصبح أول قائد مسلم يصف الولايات المتحدة بـ"الشيطان الأكبر" ويحث على الجهاد ضدها. غير أن صعود الخميني إلى السلطة كان بمساعدة سياسات الرئيس كارتر الذي جاء إلى الرئاسة وهو يشدد على دعمه لحقوق الإنسان. وهكذا أقنعه معاونوه بأنه لا يمكنه الاستمرار في مساندة شاه إيران بسبب سياساته القمعية المنافية لحقوق الإنسان لتبدأ إدارته في سحب الدعم منه، وينتهي المطاف بالشاه خارج السلطة. فكانت النتيجة أن حل مكانه نظام الخميني الذي أثبت أنه أكثر بطشاً من الشاه مركزاً جهوده على تمويل الحركات الراديكالية في المنطقة، وممهداً الطريق لظهور بن لادن وهجمات 11 سبتمبر. ومن ناحيته لم يقصر كلينتون في التحريض غير المباشر على تلك الهجمات الأليمة على الولايات المتحدة. فبعد انتهاء الحرب الباردة شد الإسلاميون الراديكاليون في أفغانستان الرحال إلى بلدانهم، حيث عاد بن لادن إلى السعودية، ورجع أيمن الظواهري إلى مصر. وبدا في تلك المرحلة أن الإسلاميين ركزوا جهودهم على محاربة "العدو القريب" متمثلاً في الحكومتين المصرية والسعودية. لكن انطلاقاً من نهاية التسعينيات غيّر "الراديكاليون" استراتيجيتهم وبدلوا "العدو القريب" بـ"عدو بعيد" متمثلاً في الولايات المتحدة متزعمة العالم الغربي. ولاشك أن استهداف قوة عالمية مثل أميركا سيكون أفضل من حصر الاهتمام في الأنظمة المحلية المدعومة أصلاً من قبل أميركا والغرب. إلى ذلك يضاف السبب الأهم والمتمثل، حسب رؤية بن لادن، في ضعف أميركا وهشاشتها أمام الضربات الموجهة لها، حيث بدا مقتنعاً بأنه في حال إيذاء أميركا واستهداف مواقعها الحساسة فإنها سرعان ما ستجبن وترحل كما حصل في فيتنام ومقديشو. هذه الرؤية استمدها بن لادن من الضعف الأميركي خلال فترة بيل كلينتون، حيث أظهرت إدارته عجزاً واضحاً في التصدي بحزم لهجمات الإرهابيين سواء تعلق الأمر بتفجير مركز التجارة العالمي في 1993، أم في تفجير "الخُبر" في السعودية عام 1996، أو حتى في التفجيرين اللذين استهدفا السفارتين الأميركيتين في أفريقيا. ففي جميع تلك الحالات جاء رد إدارة كلينتون ضعيفاً لا يرقى إلى المستوى المطلوب، حيث اقتصر على ضربات متفرقة لم تقضِ على الراديكاليين الإسلاميين. وعندما جاء الرد الأميركي متخاذلاً في تفجير المدمرة الأميركية "يو. إس.إس. كول"، اقتنع بن لادن بأن أميركا أضعف من أن ترد فخطط لهجماته الأكبر في الحادي عشر من سبتمبر 2001. ومع ذلك كان بإمكان بيل كلينتون تفادي الهجمات لو أنه شن غارات حاسمة ضد بن لادن خلال السنوات التي سبقت تنفيذ الهجمات. فرغم تأكيد كلينتون أنه قام بكل ما يلزم للقضاء على بن لادن، فإن "مايكل شوير" عميل وكالة الاستخبارات المركزية السابق يذكر أنه تم إهدار ما لا يقل عن عشر فرص للنيل من بن لادن في هذه الفترة التي كان تولى فيها معاونو كلينتون الإشراف على الأمور. فطيلة المدة الممتدة من 1996 إلى 2000 لم يكن بن لادن بعيداً عن الأعين، بل كان يلقي مواعظه في أكبر مساجد قندهار، كما تحدث علناً أمام العديد من الصحفيين ورجال الإعلام الغربيين دون أن يستطيع رجال كلينتون الوصول إليه. وفي الأخير يبرز، من فترتي الرئيسين كارتر وكلينتون، درسان يمكن لأميركا الإفادة منهما. الدرس الأول هو عدم التخلص من نظام معين دون التأكد من أن مَن سيخلفه ليس أسوأ منه كما حصل في إيران. أما الدرس الثاني فهو الكف عن إعطاء الانطباع للعالم بأن أميركا ضعيفة لأن ذلك يشجع الراديكاليين على مهاجمتنا. دينينش دسوزا ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ زميل في "معهد هوفر" التابع لجامعة ستانفورد الأميركية ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"