لقد ألف الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كاتر، كتيباً صغير الحجم عن النزاع الإسرائيلي- الفلسطيني، إلا أنه استطاع أن يثير عاصفة من الجدل السياسي حوله. وفي وصفه للهدف من وراء تأليف ذلك الكتاب، قال "كارتر" إنه رمى إلى تحقيق غايتين هما: أولاً استدعاء وجمع ذكرياته وملاحظاته الخاصة، اعتماداً على السنوات الأولى من عمله مفاوضاً في عملية السلام، ثم عمله لاحقاً مراقباً لثلاثة انتخابات فلسطينية. أما الغاية الثانية فتتلخص في سعيه لإثارة جدل سياسي أميركي عام حول أهم قضايا النزاع الإسرائيلي- الفلسطيني، إن كان لهذا النزاع أن يصل إلى تسوية شاملة ودائمة. وفيما يبدو، فقد تمكن كتابه المعنون "فلسطين: السلام وليس الفصل العنصري"، من تحقيق هاتين الغايتين المنشودتين منه. وقد أحسن "كارتر" عرض أفكاره على نحو قصصي حواري مشوق. وقد حقق هذا الكتاب، الذي لا تزيد صفحاته على المائتي صفحة، مبيعات عالية جداً، بدليل أنه يتصدر الآن قائمة الكتب الأكثر رواجاً، في صحيفة "نيويورك تايمز"، فضلاً عن إثارته لعاصفة جدل سياسي محتدم، حول مجمل الأفكار التي طرحها، على رغم أنها ليست بالعمق الذي أمل فيه "كارتر"، أو لنقل إن الجدل الذي أثير حول الكتاب، لم يكن بقدر الجدية التي تستحقها الموضوعات والقضايا المثارة فيه. ولنذكر هنا أنه وقبل صدور الكتاب، كان هناك من دق طبول النقد والاحتجاج عليه، منطلقاً في ذلك الزعيق من رغبة في التأكيد على قضيتين رئيسيتين. أولاهما عنوان الكتاب نفسه، وهو الذي وصف فيه المؤلف الخيارات المتاحة أمام إسرائيل، إذا ما واصلت سياساتها المتبعة حالياً. وعلى نحو ما عبر "كارتر" عن وصفه هذا في لقاء تلفزيوني أجرته معه شبكة التلفزيون الكندية: فباحتلالها وتوغلها العميق في أراضي الضفة الغربية، وربطها لمستوطناتها البالغة مائتي مستوطنة في تلك الأراضي المحتلة، إلى جانب منعها للفلسطينيين من استخدام الطريق المؤدي إليها، بل وحتى من عبوره، إنما تكرس تل أبيب حقيقة الفصل الحاد بين مستوطنيها والفلسطينيين، على نحو يحمل إلى الذاكرة مشاهد أكثر سوءاً مما عرفته تجربة الفصل العنصري في جنوب أفريقيا سابقاً. ثم يرتبط بهذا الوصف، الاستنتاج النهائي الذي توصل إليه "كارتر"، ما أجج نيران النقد وزادها اشتعالاً: إن النتيجة النهائية التي يمكن قولها، هي أنه ما من سبيل لإحلال السلام في فلسطين ومنطقة الشرق الأوسط، ما لم تبد الحكومة الإسرائيلية رغبة وعزماً في تقيدها واحترامها للقانون الدولي، وحين تبدي العزم ذاته في تطبيقها لخريطة الطريق، وكذلك حين تتسق سياساتها والسياسات الأميركية. وإلى تلك الشروط أضاف "كارتر" ضرورة احترام إسرائيل لرأي غالبية مواطنيها، واحترام الاتفاقيات التي أبرمتها من قبل، مع العلم بأن هذا الاحترام يتجسد في قبولها لحدودها المعترف بها دولياً. وفي مقابل ذلك، ينبغي على كافة الجيران العرب، احترام حق إسرائيل في البقاء والعيش بسلام في ظل الشروط الواردة أعلاه. واختتم "كارتر" بالقول في هذا الصدد "وإنها ستكون مأساة للفلسطينيين وللإسرائيليين، بل للعالم بأسره، فيما لو تم رفض السلام، وحل محله نظام للقهر والفصل العنصري، وتواصلت بالنتيجة دوامة العنف والمواجهات العدوانية بين طرفي النزاع". وليست تلك هي النتيجة الوحيدة الرئيسية التي توصل إليها "كارتر"، وأثارت عاصفة الانتقادات المذكورة. بل ذهب المؤلف في الفقرات الختامية من كتابه إلى القول، إنه وعلى رغم احتشاد الصحافة الإسرائيلية نفسها بالحوارات السياسية الغاضبة من سياسات تل أبيب في أراضي الضفة الغربية، إلا أنه وبسبب النفوذ القوى للدوائر السياسية والاقتصادية والاجتماعية الموالية لتل أبيب هنا في واشنطن، فإنه قلما انتقدت السياسات والقرارات التي تتخذها الحكومة الإسرائيلية، أو حتى تمت مساءلتها عنها. وقال "كارتر" إن ثمة أصواتاً من تل أبيب، هي التي تطغى على إعلامنا الأميركي. ولذلك فقد ظل الكثير من الأميركيين يجهلون حقيقة ما يجري فعلياً في الأراضي المحتلة. وقد أصاب "كارتر" في كل ما ذهب إليه من ملاحظات، اعتماداً على تجربته الشخصية الممتدة زهاء ثلاثة عقود من التعامل المباشر مع قضايا النزاع الإسرائيلي- الفلسطيني. وعلى رغم محمدة مسعى "كارتر" لإثارة هذه القضايا بالعمق الذي رآه، فإنه ليس من المتوقع أن يتحقق هذا العمق على مستوى الجدل السياسي العام الدائر هنا، بسبب تعنت النخب السياسية النافذة، الموالية لتل أبيب.