يثير كتاب د. خليفة الوقيان "الثقافة في الكويت" الصادر عام 2006 في الكويت، الكثير من الأسئلة المحلية والخليجية في هذا المجال. فقد استعرض د. الوقيان في هذا الكتاب بدايات وتطورات الجوانب الثقافية منذ أول إشارة مرصودة، حيث ذهبت المصادر التاريخية إلى أن مدينة الكويت أسست في عام 1022هـ الموافق 1613. كما درس بشكل مركز وموثق سائر الاتجاهات التي عرفتها الحياة الكويتية وهي أربعة: الاتجاه الإصلاحي، الاتجاه الديمقراطي، الاتجاه القومي، وأخيراً الاتجاه الديني المحافظ. لقد كتبتُ نبذة عن الكتاب في وقت سابق، وأود هنا أن أساهم في الحديث عن قضية حساسة، كثيراً ما تَرِدُ في كتابات الخليجيين، ومنها كتاب د.الوقيان، وهي الشكوى من موقف المثقفين العرب إزاء المساهمة الخليجية في هذا المجال كماً وكيفاً! فمن دوافع الباحث في تأليف هذا الكتاب، كما يقول في مقدمته: "الصورة المشوهة والمنقوصة التي يحملها بعض المثقفين العرب وغيرهم عن منطقة الخليج العربي عامة، واعتقادهم أن هذه المنطقة لم تكن ذات شأن قبل ظهور النفط، ولم يكن للإنسان فيها إسهامات ثقافية يجدر ذكرها". ويحاول الكاتب في الفصل الثاني من الكتاب أن يفند هذه الفكرة بالذات، وأن يعرض مظاهر الاهتمام المبكر بالثقافة على صعيد الكتاب، حيث يشير إلى نسخ "موطّأ الإمام مالك" في الكويت من قبل أحد سكان جزيرة فيلكا عام 1094هـ - 1682م، وكتاب "الفتح المبين في شرح الأربعين" عام 1724م، وكتب أخرى. ومن مظاهر الاهتمام بالثقافة، اتجاه بعض الكويتيين إلى نشر كتاباتهم المبكرة في صحف العراق ومصر والشام، لتتسع طموحاتهم حيث "قاموا بإصدار الصحف في بعض البلدان العربية والأجنبية، العراق، سوريا، أندونيسيا". وفي داخل الكويت قام بعض رجال الكويت بإنشاء المؤسسات الثقافية بعد تأسيس أول مدرسة نظامية في عام 1911، وباشروا إرسال طلاب العلوم الدينية إلى الجامعات الإسلامية واستقبال بعض رجال الفكر والإصلاح لإلقاء المحاضرات في الكويت. إن الموقف الثقافي العربي السلبي من العطاء الخليجي عموماً، حقيقة معروفة لابد من الإقرار بها ومناقشة أسبابها كأي ظاهرة أخرى في الحياة الثقافية. فثمة جوانب من المسؤولية يتحملها الأدباء والمثقفون والكتّاب الخليجيون في مختلف دول مجلس التعاون، وأخرى يُلام فيها مثقفو وكتّاب العالم العربي، وثالثة ناجمة عن مختلف الظروف! ولا شك أن أول أسباب هذا الانطباع السلبي عن حجم وقوة الإسهام الخليجي في الثقافة العربية، ناجم عن قلة الكتابات والأعمال الجيدة مقارنة بالظروف والتسهيلات المادية المتاحة للمثقف الخليجي. ولا يزال الإنتاج الخليجي عاجزاً، إلا ما ندر، عن اختراق الأسواق العربية والوصول إلى محور ولبّ المناقشات الأدبية والفكرية والسياسية والفنية في العالم العربي. وينغمس الكثير من الأكاديميين الخليجيين في الحياة الاجتماعية والسياسية وأحياناً الاستثمارية، ويكون ذلك في الغالب الأعم على حساب العمل الفكري والإنتاج البحثي، حتى تحولت الشهادات والألقاب الجامعية لدى هؤلاء إلى مجرد أداة لتحسين الدخل والمكانة الاجتماعية والسيطرة السياسية! إن على الخليجيين المهتمين بالمجال الثقافي، أن يدركوا أن تحقيق الذات في هذا المجال من أصعب الأمور، ولابد من بذل مجهود مرهق ومبدع في مجال التأليف والترجمة والإضافة الفكرية قبل أن يرتفع أي صوت بالشكوى من حواجز الإبداع وبذل الجهد في مجال التأليف والبحث، وخاصة القدرة على حصر اهتمام المؤلف والمثقف بالقراءة والكتابة والاكتفاء بالنشاط الفكري والثقافي والإنكباب عليه، هذا الطغيان المادي المعروف الذي يضغط على المؤلف ويصرفه عن القراءة أحياناً كثيرة، وكذلك ضعف مردود النشر. وكم في الكويت مثلاً، وغيرها، من أدباء ومؤلفين يكرسون وقتاً ثميناً، إن قدر بالكلفة المالية مثلاً، في البحث والتأليف، ثم يعمدون إلى طباعة إنتاجهم على حسابهم وتخزين كتبهم فترات طويلة قبل أن تصل مجاناً إلى القراء! غير أن توفر المال والرفاهية لا ينبغي أن يكونا من معرقلات البحث والثقافة، فدخلُ بعض الأدباء والكتاب في أوروبا والولايات المتحدة بالملايين، ورغم ذلك تتوالى إبداعاتهم. كما لا يمكن الاحتجاج بصغر حجم سكان دول المنطقة، فدولة مثل لبنان بل حتى بعض المدن في العالم العربي، أغنت الحياة الفكرية بالكثير من المبدعين. ولا شك أن من مشاكل المجتمعات الخليجية هذه الروحية المحافظة والأفكار التقليدية التي عرقلت كل أنماط التحديث في المنطقة. وقد خاضت النخب الإصلاحية والإدارات الحاكمة في معظم دول مجلس التعاون، صعوبات جمة في افتتاح المدارس وخاصة للبنات، وفي إدخال التعليم الحديث والسماح بتدريس النظريات العلمية والحقائق الجغرافية وكذلك تعلم اللغة الإنجليزية وتدريس مواد التربية الرياضية والفنون الجميلة والموسيقى. ويقول الكاتب "بدر الخريف" في مقال له: "ما زال الناس يتذكرون ما حدث في عهد الملك فيصل عندما توافد على قصره في الرياض مئات الغاضبين من إدخال تعليم البنات". ولم تستطع الدولة في المملكة العربية السعودية إدخال التعليم الرسمي للبنات إلا بعد حوالى ثلاثين سنة تقريباً من تأسيس المملكة. وقد تم ذلك بالتدريج وبحذر شديد وبتشجيع الصحف على الخوض فيه وإثارة المناقشات حوله، "وكثرت الاستفتاءات في مسألة تعليم المرأة ووُجهت إلى العلماء والوجهاء والمثقفين وكثير من الناس الأسئلة: هل على الدولة واجب تعليم البنات؟ بل هل يجوز أن تتعلم الفتاة؟ وماذا يجب أن تتعلم؟ وإلى أي مرحلة يكون علمها". (انظر: د. علي بن راشد المرشد، 1419هـ، ص 204). وبينما كانت قراءة المجلات من الأمور البدهية في حياة المصريين واللبنانيين وحتى في العراق، كانت المتشددون في الكويت يعدونها "من منشورات أهل الضلال"، لأنها تجمع "العقائد الزائفة والآراء المبتدعة"! ولم يسلم حتى السيد رشيد رضا، صاحب مجلة "المنار" المعروفة، من التكفير واستحلال الدم، حتى حاول أحدهم قتله في السنة التي زار فيها الكويت. (الثقافة في الكويت، ص 158). ويحتج بعضنا في دول الخليج بتأثير ضغوط الرقابة والعواقب السياسية والقانونية التي تهدد بعضاً ممن يخوضون في قضايا الدين والسياسة والعلاقات بين الجنسين. وخاصة بعد أن نمت أحزاب "الإسلام السياسي" وصار لها نفوذ كبير في الكثير من المجالات. ولكن كل هذه الحواجز، التي نراها في الدول العربية الأخرى، لا تمنع ظهور الأعمال الجيدة. وتجدر بنا الإشارة هنا إلى الدمار الذي أنزله التيار الديني بالفنون الجميلة في دول الخليج بأسرها، وخاصة فن النحت وتصوير الأشخاص. فنحن نجد تسامحاً بارزاً من رجال الدين بل وحتى الأحزاب الدينية إزاء الرسم والنحت والتماثيل في دول مثل مصر ودول الشام والعراق، بينما تغلب سلفية متزمتة على موقف الإسلاميين ورجال الدين في دول الخليج. والحقيقة المعروفة أن الرسام والنحات الخليجي المبدع والجاد، يتحرك في بيئة معادية تفرض عليه الكثير من القيود وعقد الذنب. ومنذ بضع سنوات قام أقارب نحات كويتي معروف بتهشيم كل ما وصلت إليه أيديهم من أعماله بعد وفاته، كما تحدثت مؤخراً مع نحات كويتي كبير يعرض أعماله ويده على قلبه من الزوبعة التي قد تُثار ضدها! وقد سرت هذه الروحية المتزمتة إلى المسرح وفن التمثيل، كما لا يزال التكفير والتفسيق يلاحقان الممثلين والمطربين. وأعرف شخصياً عن عائلة كان أحد أولادها يرفض أن يأكل من طعامها لأن أحد أفرادها، ممن يساهمون في مصروف المنزل... يعمل في الإخراج المسرحي! ولحسن الحظ، نجا الغناء الخليجي والدراما التلفزيونية من هذه القيود، ربما بسبب طبيعة هذه الفنون، ولأنها تسبح في البحر العربي العام. ولا تزال استفادة كتّاب ومثقفي الكويت مثلاً، وربما دول خليجية أخرى، محدودة جداً من الندوات الثقافية التي تقيمها وزارة الإعلام أو الجامعة أو جمعيات النفع العام. فمن النادر أن ترى أحداً من رجال الفكر والأكاديميين في معظم المحاضرات والندوات والنقاشات. وقد يزور البلاد بعض أهم المفكرين، دع عنك الكثير من الآخرين، دون أن يصادف مثقفاً خليجياً أو كويتياً واحداً، ويكون جل احتكاكه وتعامله مع بعض الموظفين الشباب العاملين في أجهزة الاستقبال، إلى جانب موظف وموظفات الفندق الفخم! وهذا كله مما يعمق الصورة السلبية للثقافة وأهل الفكر والأدب في دول الخليج!