لتمويل الحرب العالمية الثانية، كان على الأميركيين شراء سندات الادخار وشد الحزام على بطونهم بعدما رفع الرئيس "هاري ترومان" الضرائب وخفض الإنفاق غير العسكري لتسديد نفقات الحرب الكورية. ولم يختلف الوضع في فيتنام، حيث رفعت الولايات المتحدة الضرائب من دون أن يتوقف العجز في الموازنة العامة التي ظلت مختلفة بسبب الإنفاق الحربي. غير أن أميركا لجأت هذه المرة من أجل الاستمرار في الإنفاق على مجهودها الحربي في كل من العراق وأفغانستان إلى استخدام "بطاقتها الائتمانية" معتمدة على الصين والقوى الخارجية لتمويل قروضها ودفع الفاتورة. واليوم مع إعلان بوش خطته الجديدة القاضية بتعزيز القوات الأميركية في العراق، هناك إلحاح متصاعد على ضرورة إخضاع الإنفاق المخصص للمجهود الحربي لمزيد من المراقبة ومعرفة من أين ستنفق الولايات المتحدة على حروبها المختلفة. فأميركا تنفق ما يناهز عشرة مليارات دولار شهرياً في كل من العراق وأفغانستان، ومن المرجح أن يصل إجمالي النفقات مع نهاية السنة الجارية إلى 600 مليار دولار، مقتربة بذلك من نفقات الحرب في فيتنام وكوريا الشمالية. ومع ذلك يبقى الأثر الحقيقي للإنفاق الحربي على الاقتصاد الأميركي أقل حدة مما كان عليه خلال الحروب السابقة بسبب الحجم الكبير للاقتصاد الأميركي اليوم. فخلال الحرب العالمية الثانية وصلت نسبة الإنفاق الحربي من الناتج الإجمالي المحلي إلى 30% حسب بعض المحللين، بينما وصلت فيه تلك النسبة خلال الحرب الكورية إلى 14%، لتنحدر إلى 9% خلال حرب فيتنام، لكنها اليوم أقل من 1% من الناتج الإجمالي المحلي الذي يقدر بحوالى 13 تريلون دولار. وحسب المحلل المالي "ستان كوليندر" مازالت الولايات المتحدة قادرة على تمويل الحرب، لكن ذلك يجري على حساب الموارد المخصصة لقطاعات أخرى. كما أن تكلفة الحرب التي تسددها الولايات المتحدة عبر لجوئها إلى الاقتراض ستقع على عاتق الأجيال المقبلة، وهي لذلك "ستكون إحدى أكثر الحروب تكلفة في التاريخ الأميركي". وخلافاً للحروب السابقة أقدمت الولايات المتحدة خلال حربي العراق وأفغانستان على التخفيض من الضرائب وفي نفس الوقت الرفع من الإنفاق العسكري. وفي هذا السياق يقول "ريتشارد كوجان"، وهو زميل بارز في "مركز الأولويات المالية والسياسية" في واشنطن: "يحق لنا القول إن الأموال التي تنفقها أميركا على الحرب جاءت من الاقتراض، لكن في النهاية علينا أن نسدد تلك القروض كاملة". ومن جهته يتطلع الكونجرس الأميركي إلى عقد جلسات استماع لبحث التداعيات المالية للحرب، وذلك قبل إعلان بوش عن مقترح الموازنة العامة للسنة المالية 2008 في الخامس من شهر فبراير المقبل. فمع سيطرة "الديمقراطيين" على الكونجرس يطمح المشرعون الأميركيون إلى إثارة مجموعة من التساؤلات حول التكلفة المستقبلية للحرب، والطريقة التي ستضمن بها التكلفة في الموازنة العامة. وفي هذا الإطار أقر النائب "جون سبات" عن ولاية كارولينا الجنوبية، والرئيس الجديد للجنة الاعتمادات المالية في الكونجرس بأنه "لا يمكن ضبط الموازنة في غضون عام واحد، لكننا نود أن نعرف السقف الذي يتعين عدم تجاوزه في النفقات". ويعتقد المراقبون أن عجز الموازنة العامة أصبح أكثر استعصاء على الحل بسبب لجوء البيت الأبيض إلى تمويل الحرب عبر قوانين استثنائية لا تدخل ضمن الموازنة. وهي الممارسة التي درجت عليها الإدارات السابقة حسب تقرير أعده الكونجرس، حيث من المتوقع أن تطلب إدارة بوش خلال السنة الحالية المصادقة على ما يناهز 100 مليار دولار عبر قوانين استثنائية. لذا يتطلع النائب "جون سبات" إلى إعادة الإنفاق الحربي إلى حضن الموازنة العامة ما دامت الحرب خرجت عن إطارها الاستثنائي وأصبحت ضمن العادي من الأمور. ويضيف النائب "سبات" موضحاً وجهة نظره "إن الإصرار على نعت الحرب بالاستثنائية يعني عدم إخضاع النفقات الحربية للمراقبة والتمحيص اللازمين"، ففي تلك الحالة لا يُنظر في طلبات الإنفاق سوى من قبل "لجنة الاعتمادات". وبالإضافة على ذلك يقول النائب "جون سبات" إن الإنفاق الاستثنائي الذي تلجأ إليه الإدارة الأميركية لتمرير طلباتها يشمل في بعض الأحيان مشاريع لا علاقة لها بالحرب. وهكذا فإن إعادة الإنفاق تحت المظلة العامة للموازنة، يحد من لجوء بعض النواب إلى تمرير مشاريع غير مهمة تحت يافطة الإنفاق الاستثنائي الموجه للمجهود الحربي. وتنطوي التقديرات بشأن الرقم الحقيقي لما أنفقته أميركا في حربها العالمية على الإرهاب على الكثير من التضارب. فبينما تذهب لجنة الاعتمادات التابعة للكونجرس الأميركي إلى أن الإنفاق بلغ 471 مليار دولار إلى حد الآن، يؤكد النائب "جون سبات" أن الرقم وصل إلى 507 مليارات. وبمتم السنة الجارية يكون إجمالي الأموال التي صرفت على الحرب في العراق وأفغانستان مجتمعتين قد اقترب مما تم إنفاقه خلال حرب فيتنام (650 مليار دولار)، والحرب الكورية (691 مليار دولار). من ناحية أخرى هناك من المراقبين من يرى أن التكلفة الحقيقية للحرب تفوق بكثير تقديرات الكونجرس، حيث أشارت دراسة أجراها مؤخراً البروفيسور "جوزيف ستيجليتز" من جامعة كولومبيا، و"ليندا بيلمز"، من جامعة "هارفارد" إلى أن التكلفة الاقتصادية للحرب وصلت قيمتها إلى تريليوني دولار. وقد أوضحت "بيلمز" في هذا الإطار أن الكونجرس لا ينظر سوى إلى النفقات المباشرة، دون أن يأخذ بعين الاعتبار التداعيات المستقبلية للحرب من الناحية المالية مثل تكلفة استخدام الآليات العسكرية في العراق، أو تلك المرتبطة بعلاج جرحى الحرب عند رجوعهم إلى الولايات المتحدة. رون شيرير محرر الشؤون الخارجية في"كريستيان ساينس مونيتور" ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"