لا أريد أن أتهم "الحمائم" الأميركيين بأنهم يرغبون في خسارة الولايات المتحدة في العراق، لأنني أعرف أنهم يحبون بلدهم ويدركون العواقب الوخيمة للهزيمة؛ غير أن الرغبة في التشفي قوية وجامحة، ويبدو أن البعض يجد متعة كبيرة إذا ما أثبت الزمن صحة ووجاهة ما ذهب إليه من قبل. فقد نشرت مجلة "رادار"، في الآونة الأخيرة، مقالاً يتأسف لاستمرار الليبراليين المؤيدين للحرب في ممارسة مهنة التحليل السياسي بعد أن تكشفت أخطاؤهم وتحليلاتهم. وفيه كتب الكاتب اليساري المختص في شؤون السياسة الخارجية "جوناثان شيل" يقول: "لا يبدو أن ثمة رغبة في إيجاد الأشخاص الذين كانوا على صواب بخصوص العراق وتقديمهم في وسائل الإعلام". أن يكون المرء على صواب بخصوص أمر ما، تجربة جديدة نوعاً ما بالنسبة لـ"شيل"، ومن الواضح أنه اليوم ينتشي كثيراً بهذه التجربة. ولكن قبل أن ننحني إجلالاً لحكمة "شيل"، جدير بنا أن نُذكر بأن سجله من التكهن لا يتصف بالكمال؛ فقد عبَّر بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر، عن معارضته للهجوم على "طالبان" التي كانت توفر المأوى لأسامة بن لادن ومعظم قيادات "القاعدة"، وقال محذراً: "إن ضربة عسكرية ضد طالبان أو غيرها من الأنظمة، أمر ينطوي على أخطار كثيرة هي أعظم من الأخطار التي واجهناها حتى الآن"، مضيفاً: "يمكن أن يموت ملايين الأفغان جوعاً هذا الشتاء"، كما يمكن أن يتسبب ذلك في سقوط حكومة باكستان، الخ. ولنعد إلى الحرب التي خضناها مع العراق عام 1991؛ فقد دعا "شيل" إلى إرغام العراق على مغادرة الكويت باستخدام العقوبات فقط، بدلاً من القوة العسكرية. والحال أن السنوات اللاحقة أوضحت مدى عجز هذه الآلية، حيث صمد صدام حسين خلال 13 عاماً من العقوبات، رافضاً التخلي عن برنامج أسلحة الدمار الشامل الذي تبين لاحقاً أنه لا وجود له. وإذا لم تكن العقوبات كافية لحمله على التخلي عن أسلحة لا وجود لها، فيمكنني أن أجزم بكل ثقة بأنها لم تكن لتحمله على التخلي عن غزو بلد غني بالنفط. والواقع أن معظم الليبراليين وقفوا موقف "شيل" عام 1990؛ ولكن أكثرهم تواروا خجلاً بعد أن كشفت الأعوام اللاحقة غباء وجهات نظرهم؛ فقد صوت معظم "الديمقراطيين" في مجلس الشيوخ ضد حرب الخليج، وهو ما تسبب في إقصاء العديد منهم من الترشح باسم الحزب لانتخابات عام 1992 الرئاسية. فكان من نتائج ذلك أن فاز حاكم إحدى الولايات، هو بيل كلينتون، بالترشح باسم الحزب للرئاسيات، علماً بأنه لم يكن مطالَبا بالإدلاء بصوته بخصوص الحرب، كما أنه اختار السيناتور السابق "آل غور" الذي كان من "الديمقراطيين" القلائل الذين أيدوا قرار الحرب، ليكون رفيقاً له في السباق الانتخابي. مما لاشك فيه أن "آل غور" يستحق الإشادة لبعد نظره، وباعتباره واحداً من الشخصيات العمومية القليلة التي أيدت حرب العراق الأولى وعارضت الثانية. إلا أن الحكم على الأشخاص وفق مواقفهم من تأييد الحروب الصحيحة أو معارضتها فقط، له قيمة محدودة جداً. فرصيد السيناتور "جون كيري" الذي عارض حرب العراق الأولى وأيد الثانية، هزيل وضعيف مقارنة مع "ديك تشيني" الذي كان صائباً على الأقل بخصوص واحدة من الحربين. ولكن هل يعني ذلك بالضرورة أن "تشيني" سياسي أكثر حكمة ورزانة في ما يخص السياسة الخارجية مقارنة مع "كيري"؟ ثمة الكثير من الدروس التي ينبغي استيعابها من العراق؛ وسنكون مجانين حقاً إذا نحن لم نستوعبها. غير أن فشل إدارة مهمِلة في تنفيذ مهمة إعادة التعمير الحافلة بالصعاب والتحديات في واحدة من أخطر مناطق العالم، لا تعلمنا كل ما نحتاجه بخصوص معرفة فعالية القوة العسكرية. بطبيعة الحال سنستخلص الدروس من تجربة العراق، إلا أنني أخشى أن نستخلص منها أكثر مما ينبغي. جوناثان تشيت ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محرر رئيسي بمجلة "نيو ريبابليك" ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"