"ماراثون الأليزيه" يدخل مرحلة "التسخين"... وشيراك "يهرْول" منفرداً نحو طهران! استمرار الحشد والشحن السياسيين ضمن الإعداد للانتخابات الرئاسية الفرنسية المقبلة، وأهم التحديات التي تواجه العالم خلال السنة الجارية، ومبادرة الرئيس شيراك الأخيرة لبذل مساعٍ دبلوماسية جديدة مع إيران، موضوعات ثلاثة نستعرضها ضمن جولة سريعة في الصحافة الفرنسية. منعرج جديد في الطريق إلى الرئاسيات: بعد اختيار الحزب الحاكم لرئيسه وزير الداخلية نيكولا ساركوزي مرشحاً للرئاسيات، أخذت الحملة السياسية منعرجاً جديداً بدت ملامحه وتجاذباته واضحة وحادة أحياناً في معظم الصحف الفرنسية. صحيفة لوموند اعتبرت أن التحدي الأول الذي يواجه ساركوزي والمرشحة الاشتراكية سيغولين رويال هو عملية "إخراج" كل منهما لنفسه باعتبارها "المرشح المناسب" لكل الفرنسيين طيلة أشهر الحملة الأربعة المتبقية. أما "فيليب ريديه" فقد اعتبر في مقال بهذا الخصوص أن المطلوب من المرشح عادة هو: "أن يبقى كما كان، ولكن أن يصبح في نفس الوقت شخصاً آخر". وذلك "لأن صناعة مرشح مقنع لابد أن تمر عبر هذه الكيمياء العجيبة". وهذا يرصده أيضاً "بيير تاريبو" في صحيفة "الإيست ربيبليكن" معتبراً أن ساركوزي بدأ يشتغل عليه. ففي حين ما زالت سيغولين تقاتل لترويض محيطها الحزبي القريب، آثر منافسها الشرس أن يرسخ لدى الفرنسيين صورة عنه باعتباره "رجلاً رزيناً، باحثاً عن الوحدة الوطنية، ويمد يديه للمصالحة مع دوفيلبان، ويبذل أقصى ما يستطيع من جهد لتجنب جرح مشاعر الرئيس شيراك". أما سيغولين فحتى زعيم حزبها، وشريكها في المنزل فرانسوا هولاند، لا تبدو حريصة على الاتفاق معه، فلكل منهما خطاب خاص، وأوهام خاصة أيضاً، كما يقول لوران جوفرين في افتتاحية بصحيفة ليبراسيون. غير أن أخطر منعرج عرفته الحملة حتى الآن هو بداية "توجيه الضربات تحت الحزام" والتي خصصت لتداعياته لوموند افتتاحية عاصفة، فقد اتهم "جاك جودفرين" وهو نائب من الحزب الحاكم، كلاً من المرشحة الاشتراكية رويال، وزعيم حزبها الذي يعيش معها تحت سقف واحد دون زواج رسمي بأنهما يتهربان من الضرائب على الدخل، من خلال شركة نقل مدني أسساها. وقد نشر اليمين الفرنسي هذه الاتهامات عبر الإنترنت على أوسع نطاق. ومع أن رويال نفت بشدة مثل هذه الاتهامات ورفع شريكها ادعاء قضائياً على النائب المذكور، إلا أن اليمين ما زال يضرب بقوة على هذا الاتهام لترسيخه وتعميقه، وكأنه "كعب أخيل"، اكتشف فجأة بالنسبة للمرشحة الاشتراكية. ومثل هذه الادعاءات والتهم على سلبيتها يرى مع ذلك "فرانسوا تارتارين" في "لانوفيل ربيبليك" أنها ستسخن الحملة، وستضطر مختلف المرشحين إلى اللعب بجميع الأوراق على الطاولة، وستكون مفيدة للسجال العام حتى لو سجلت خسائر عرضية على كلا الجانبين. خمسة تحديات للغرب في 2007: تحت هذا العنوان كتب كبير محرري الشؤون الدولية في صحيفة لوفيغارو "رينو جيرار"، تحليلاً سياسياً استعرض فيه ما اعتبرها تحديات كونية تواجه العالم في هذا العام، وأخرى خاصة بالغرب بوجه خاص. ففي الخانة الأولى يأتي على رأس التحديات احتمال استمرار طفرة النمو العالمي بمعدل 5% أو أكثر خلال العام الجاري، وما يترتب عليها من ضرورة الاهتمام باقتصادات الدول الفقيرة، وتصحيح قواعد لعبة التجارة العالمية. ويليه تحدي الإحماء الحراري العالمي، الذي أصبحت النخب في الدول المتقدمة خاصة أكثر استعداداً لإيلائه أهمية أكبر. ولكن ليس معنى هذا أن التحديات السياسية والدبلوماسية الدولية ستنزاح إلى مرتبة اهتمامات الصف الثاني في الأجندة العالمية. وفي المقدمة هنا معرفة ما إذا كانت الصين هي من سيتزعم جهود نزع فتيل أزمة كوريا الشمالية النووية، بحكم كونها القوة الدولية الكبرى الوحيدة القادرة على ذلك. ثم هل ستتراجع إيران عن تحديها للمجتمع الدولي من خلال الاستمرار في برنامجها النووي؟ الملاحظ في تطورات هذا الملف –يقول الكاتب- أن الصينيين الذين استقبلوا علي لاريجاني خلال الأيام الماضية نقلوا إليه رسالة مهذبة، ولكن صارمة، بضرورة استجابة طهران لمقتضيات القرار الدولي بهذا الشأن. ويبقى أن تعود روسيا إلى حظيرة الدول المناهضة لجهود إيران النووية، على رغم التزامها تجاه إيران وفق اتفاقات ذات طابع تجاري بحت. ويبقى أخيراً تحدي – أو بالأحرى تحديات- الشرق الأوسط. فبعد تعمق جراح ونزيف الكارثة الاستراتيجية التي ترتبت على الغزو الأميركي للعراق، تزايدت الكوارث والأزمات الأخرى المتفاقمة في عموم هشيم الشرق الأوسط الكبير، من استمرار الصراع المسلح في أفغانستان على رغم جهود قوات "الناتو"، إلى تردي الأوضاع في صراع الفلسطيني- الإسرائيلي، إلى بوادر حرب أهلية في غزة، وأخرى في لبنان. وفي الشرق الأوسط تحديداً –يقول جيرار- ثمة أربعة تحديات يتعين على الغرب التعامل معها بأشد أنواع الاهتمام وهي: - إعادة الأمن إلى العراق وأفغانستان. – وقف التحدي الإيراني. –تعزيز الوحدة الوطنية اللبنانية. – ضمان قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة. وإذا تمكنت أميركا بمساعدة الدول الأوروبية من إنتاج الاستجابات المناسبة لكل هذه التحديات، فعندها يمكن اعتبار سنة 2007 منعطفاً مهما في تاريخ السلام العالمي. إيران... و"أسرار" هرولة شيراك : اعتبرت افتتاحية بصحيفة لوموند أن إطلاق الرئيس شيراك هذا الأسبوع مبادرة دبلوماسية منفردة تجاه طهران، جاء لتحقيق هدفين. أولاً لضمان عدم إقدام نظام الملالي –عن طريق حليفه "حزب الله" اللبناني- على التعرض للجنود الفرنسيين الموجودين على الحدود بين لبنان وإسرائيل. ثم العمل بعد ذلك لانتزاع موافقة من الإيرانيين على تهدئة ديمقراطية للوضع في بلاد الأرز، خاصة أن المعارضة ما زالت محتشدة في الشارع بهدف إسقاط حكومة فؤاد السنيورة. "إن هذين الدفين يمكن تفهمها، إن لم يكن الثناء عليهما. ولكن الطريقة التي اتبعت في سبيلهما، غريبة حقاً. فقد تصرفت فرنسا منفردة، في حين ظلت حتى الآن كل جهودها إزاء لبنان في إطار تحرك جماعي، مع الولايات المتحدة، كما أنها كانت هي من وقف وراء إنشاء الترويكا الأوروبية التي تفاوضت طيلة ثلاثة أعوام مع الإيرانيين". والعجيب أنه الآن بالذات بعدما فرض مجلس الأمن عقوبات على إيران وافق عليها حتى الروس، قرر شيراك أن يهرول وكأنه "فارس وحيد تجاه طهران" –وهذا عنوان الافتتاحية. ولئن تحجج شيراك بأن مخاوفه من تكرار تجربة غزو العراق قي سنة 2003، وأن يكون الموقف الأميركي الآن من طهران مقدمة لضربة من ذلك القبيل، فإن هذا لا يبرر بالضرورة أن يتنازل الرئيس الفرنسي عن صرامته التي طالما تبجح بها فيما يتعلق بمسألة منع الانتشار النووي. والأهم من كل هذا: ما الذي يستطيع شيراك تقديمه للإيرانيين مقابل ما يريده من تهدئة في لبنان؟ الاعتراف مثلاً بإيران كقوة إقليمية! هذا ما يريده الإيرانيون طبعاً، ولكنهم يريدون سماعه من الأميركيين، وليس من الرئيس الفرنسي. ويبقى سؤال آخر أكثر مرارة: متى يقلع شيراك عن التناقض واللعب على الحبلين، حبل العمل الجماعي الدولي، وحبل المبادرات الفردية؟ إن فرنسا بهذه الطريقة في تغيير المواقف، مهددة حقاً بفقدان ما تبقى لها من مصداقية. إعداد: حسن ولد المختار