القرار الاقتصادي أياً كان نوعه خاصاً أم عاماً يصدر بعد موازنات دقيقة بين الأبعاد الإيجابية والسلبية التي يتوقع أن تترتب على تنفيذه، وهذه الاعتبارات تنطبق على قرارات تحديد سقف أعلى للزيادة في إيجارات العقارات، وهي القرارات التي أثارت ردود فعل في وسائل الإعلام المحلية ولاقت ترحيباً من الجمهور، في حين أشارت بعض التقارير المتخصّصة إلى أنها تنطوي على تأثيرات سلبية محتملة. لكل قرار اقتصادي تأثيرات متباينة، وفي حالة الإيجارات تحديداً، هناك أفق واضح لإمكانية تحجيم أي سلبيات إلى أضيق الحدود الممكنة. فبقدر ما أعادت هذه القرارات جانباً كبيراً من التوازن الذي افتقده سوق الإيجارات في الدولة، ما يتوقع أن تكون له انعكاسات إيجابية مباشرة في التخفيف من حدة التضخم، والحدّ من الهجرة المعاكسة المحتملة للمستثمرين إلى خارج الدولة، إلا أن هناك انتقادات توجّه تقليدياً إلى هكذا قرارات وترتكز على التحذير من سلبيات التدخّل الحكومي المباشر في التأثير في آليات عمل السوق. من المعروف أن التدخّل في عمل آليتي العرض والطلب في القطاع العقاري كأحد أهم القطاعات الاقتصادية، ربما يحدّ من زخم ونشاط هذا القطاع، في ظل انخفاض أحد أهم عوائد ومحفّزات الاستثمار، ومخاوف المشترين من الارتباط بقروض تمويل مرتفعة الفائدة من أجل شراء عقارات لا تدر إيجارات مرتفعة، وفي هذا الإطار أشارت تقارير إعلامية إلى أن كثيراً من الأجانب الذين كانوا يتطلعون لشراء مساكن في الدولة بدؤوا يراجعون حساباتهم وفقاً للمتغيّرات الطارئة، إذ إنهم يندفعون لهذا الشراء إما لتوفير مسكن خاص يجنبهم دفع إيجارات عالية، أو من أجل تأجيره بأسعار مرتفعة وتحقيق عائد شهري مجزٍ، أو بهدف بيعه مستقبلاً بعد ارتفاع قيمته الرأسمالية وتحقيق أرباح من هذه العملية الاستثمارية، إلا أن قرارات تحديد سقف زيادة الإيجار تضعف هذه الدوافع والمبررّات جميعها، ما جعل المشترين والمستثمرين وشركات التطوير العقاري على حد سواء -وفقاً لوجهة النظر هذه- أقل حماساً مما كانوا عليه قبل تحديد سقف ارتفاع القيم الإيجارية، الأمر الذي قد يدفع الدولة في مرحلة ما لتقديم مزيد من المحفزات لتنشيط القطاع العقاري، خاصة أن الحكومات المحلية باتت أكبر مستثمر في هذا القطاع، عبر شركات عملاقة. لاشكّ في أن القطاع العقاري هو قطاع بالغ الأهمية، كما أن اعتماد العديد من المصارف ورجال الأعمال على هذا القطاع يستوجب معالجة أي اختلالات محتملة بدقة بالغة، وهو قطاع متقدّم في نموه وبمسافات شاسعة على باقي القطاعات، ما يحتّم ضرورة ضبط إيقاع هذا القطاع ليتّسق مع القطاعات الاقتصادية الأخرى، على اعتبار أن التدخّل الحكومي المباشر لرسم توجّهات السوق العقاري لا تخلو من مضاعفات سالبة قد تبدو أكثر وضوحاً في الأجلين المتوسط والبعيد، ما يحتّم ضرورة التعجيل بمعالجات هيكلية تدعم مسار مثل هذا القرارات، من خلال سياسات اقتصادية ومالية تعمل على التأثير في مؤشرات اقتصادية محدّدة في جانبي العرض والطلب، وتدفع السوق نحو الاتزان الآلي أو التلقائي، من خلال العديد من الوسائل والطرق، على ألا تخل مثل هذه السياسات بقواعد الحرية الاقتصادية، ولكنها في الوقت نفسه توقف أي مبالغات غير مبررّة لرفع الإيجارات، وتعود بها إلى مستويات معقولة تضمن ازدهار معتدلاً ومستداماً للقطاع العقاري. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.