عندما يتولى الجنرال "ديفيد بيتراوس" مهامه باعتباره القائد الأميركي الجديد في العراق، سيتعين عليه اتباع عقيدة عسكرية جديدة بخصوص محاربة التمرد تتخذ من أمن السكان هدفها الأسمى. غير أن سؤالاً ملحاً من المرجح أن يطفو على السطح عندما يعتمد مجلس "الشيوخ" تعيين "بيتراوس" الأسبوع المقبل، ويتعلق بما إن كانت استراتيجية الإدارة الجديدة في العراق ستُسخر ما يكفي من الجنود ضماناً للأمن. ذلك أن الألوية الخمسة الإضافية التي ستُرسَل إلى بغداد بموجب استراتيجية الرئيس بوش ستضاعف تقريباً حجم القوة الأميركية المشاركة في فرض الأمن هناك، والتي تقدر بنحو 15000 جندي. إلا أن ذلك لن يمثل بالمقابل سوى جزء صغير من الـ120000 جندي التي تحتاجها الولايات المتحدة لتأمين كامل العاصمة العراقية وفق الأرقام التي يتضمنها "الدليل الجديد للجيش" حول محاربة التمرد، والذي ساهم الجنرال "بيتراوس" في إعداده. وتفيد الحوارات مع عدد من الضباط الأميركيين بأنه يمكن لإدارة بوش أن تقترب من احترام القواعد والتوجيهات التي ينص عليها الدليل عبر الاعتماد بشكل كبير على مساهمة قوات الأمن العراقية، وتركيز الجهود على الأحياء الرئيسية؛ وهو ما يعني أن الاستراتيجية ستتوقف بشكل كبير على أداء القوات العراقية مثل وحدات الشرطة، التي كثيراً ما كانت محط انتقادات شديدة نظراً لعدم فاعليتها أو وقوعها تحت تأثير المليشيات الشيعية ونفوذها. الواقع أن الجدل حول استراتيجية الإدارة الأميركية تجاه العراق يتجاوز موضوع عدد القوات؛ حيث يجادل بعض منتقدي المخطط، مثل "جوزيف هوار"، الجنرال المتقاعد في الجيش، والقائد السابق للقيادة المركزية، بأنه سيكون من التهور إرسال قوات إضافية إلى العراق، قبل أن يستكمل رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي برنامجه حول المصالحة السياسية، ويكبح جماح المليشيات الشيعية. وفي هذا السياق، يقول "هوار": "أعتقد أن حكومة المالكي تفتقر إلى الوسائل اللازمة للقيام بالتعديلات السياسية التي تسمح بالاستعمال الفعال لقوات إضافية". والحال أن إدارة بوش ترى أن العراقيين لا يمكنهم اتخاذ الخطوات السياسية اللازمة قبل تحسن الأوضاع الأمنية؛ إضافة إلى أنه من غير المرجح في جميع الأحوال أن يعرقل الكونجرس نشر قوات إضافية في العراق. وبالتالي، فإن السؤال الذي يفرض نفسه يتعلق بما إن كان ثمة ما يكفي من القوات لإنجاح الاستراتيجية. يفيد "دليل محاربة التمرد" بأن أهداف محاربة التمرد تتمثل في حماية السكان؛ وطرد المتمردين من الأماكن التي يتخذونها ملاذاً لهم؛ وبصفة عامة، الحفاظ على النظام في منطقة واسعة. كما ينص الدليل، الذي يلفت إلى إمكانية تنوع الحالات واختلافها، إلى قاعدة صارمة لتحديد العدد اللازم من القوات: "محارب واحد للتمرد"، ويمكن أن يكون أميركياً أو جندياً أو شرطياً من "البلد المضيف"، لكل 50 فرداً من السكان. وبالتالي، فإن بغداد، التي يقدر عدد سكانها بنحو 6 ملايين نسمة، ستكون، وفق هذه القاعدة، في حاجة إلى قوة قوامها نحو 120000 جندي. غير أن دراسة أنجزها "جون ماكجراث"، ونشرها العام الماضي "معهد الدراسات الحربية" التابع للجيش الأميركي، تشير إلى نجاح بعض حملات محاربة التمرد وجهود إرساء الاستقرار في مرحلة ما بعد الحرب حتى عندما كان عدد القوات الأميركية دون العدد الذي ينص عليه الدليل، ومن ذلك جهود محاربة التمرد الأميركية في الفلبين من 1899 إلى 1901. إلا أن تأمين بغداد يعد مهمة صعبة للغاية بالنظر إلى النعرات الطائفية، وتعدد المليشيات، وعناد المتمردين، وارتفاع معدلات الجريمة، وضعف الحكومة المركزية. يُتوقع أن تمكن الألوية الأميركية الإضافية الخمسة، التي من المرتقب أن ترسل إلى بغداد في إطار مخطط بوش، الولايات المتحدة من تغيير طابع عملياتها في العاصمة عبر الحفاظ على وجود منتظم في بعض الأحياء الرئيسية. والحقيقة أنه بالرغم من هذه التعزيزات العسكرية الأميركية، فإن الأرقام تشير إلى أن الجهد سيتطلب تكثيف جهود العراقيين. فبإضافة الألوية الخمسة، التي يبلغ تعداد كل واحد منها 3500 جندي تقريباً، تكون المساهمة الأميركية في بغداد، بلغت نحو 33000 جندي. كما أن تعزيز الجيش العراقي في بغداد بثلاثة ألوية إضافية، سيجعل العدد يصل إلى نحو 15000 جندي. وإضافة إلى ذلك، يقول المسؤولون الأميركيون إن ثمة 3000 جندي إضافي من قوات "العمليات الخاصة" العراقية والأميركية في منطقة بغداد الذين ينتظر قدومهم للمشاركة في هذه الجهود؛ علاوة على 13000 من أفراد الشرطة الوطنية العراقية، و22000 من أفراد الشرطة المحلية العراقية. وبذلك يصل إجمالي عدد القوات الأميركية والجنود وأفراد الشرطة العراقيين إلى نحو 86000 في العاصمة. إلى ذلك، يقول المسؤولون الأميركيون إن الاستعمال واسع النطاق لقوات الأمن الخاصة بالوزارات وشركات الأمن الخاصة الذين يتولون حماية المباني الحكومية ينبغي إدخاله أيضاً ضمن المعادلة؛ ذلك أن ثمة الآلاف من هؤلاء الموظفين، وإن كان من الصعب الإتيان بأرقام دقيقة في هذا الباب. مخطط الجيش الأميركي ينص على ألا يتم نشر القوات بشكل متساوٍ على جميع أرجاء المدينة، حيث يرتقب أن تتركز القوات بشكل خاص في مناطق محددة من المدينة. ويقول مسؤولون أميركيون إنه سيتم تحسين مقدرات أميركية أخرى مثل جمع المعلومات الاستخباراتية. وإضافة إلى ذلك، يقول المسؤولون العسكريون إنه لا ينبغي النظر إلى الاستراتيجية باعتبارها مجرد لعبة أرقام؛ حيث يبحث القادة الأميركيون عدداً من الخطوات التي يُتوقع أن تساهم في تحسين الأمن، ومن ذلك الحد من دخول أحياء معينة، وتحديد بعض المناطق من المدينة "مناطق تحظر فيها حركة المرور"، و"مناطق خالية من السلاح". مايكل جوردون ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محرر الشؤون الخارجية في "نيويورك تايمز" ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز"