الإنسان أسير التاريخ، ومن لا يتعلم من الماضي قد يقع في بعض أخطائه وخطاياه، ومن لا يتجاوز الماضي بمراراته يبقى مكبلاً بأحداثه. من لا يتطلع إلى المستقبل يعش أبد الدهر في ثنايا التاريخ. ثار جدل في ألمانيا هذه الأيام حول فرض قانون يعاقب كل من يكتب أو يحمل أو يعلق شعار الصليب المعقوف لأنه يرمز إلى النازية، النازية قادت إلى حرب عالمية مدمرة راح ضحيتها ستون مليون إنسان عدا الخسائر المادية والنفسية وغيرها. الهندوس رأوا في تجريم حمل الصليب المعقوف تعدياً على معتقدهم، فالصليب المعقوف بالنسبة لهم بمثابة الصليب للمسيحيين والهلال بالنسبة للمسلمين، فهو رمز يعني الخير والشمس والقوة والتفاؤل منذ أكثر من ثلاثة آلاف سنة، بل إن اسم الصليب المعقوف بالأجنبية (SWASTIKA) جاء من اللغة السانسكريتية الهندية القديمة ويعني "عمل الخير". ولكن النازيين حولوا هذا الرمز الجميل إلى رمز للكره والحرب والدمار ومعاداة السامية والتفوق العنصري للعرق الآري. في التاريخ هناك من يعتبر أن الخليج كان اسمه دوماً فارسياً، ولن نتنازل عن تسميتة بالعربي ما دامت إيران تريد تصدير الثورة وتعلن كرهها لكل ما هو عربي عدا آل البيت. عربستان ممنوع تسميتها بأي صلة بالعرب، فهي خوزستان -أي أرض الجنوب، صحيح أن البلوش لهم بلوشستان، وهناك كردستان، وطاجيستان وتركمانستان، ولكل قوم ستان، ما عدا العرب: لا ستان عربية لهم على أرض فارس، لو جاءوا بمحمد وبدينه!! لو لم نكن أسرى التاريخ والسياسة لكان أجدر بنا أن نسمي فلسطين إسرائيل، فإسرائيل أحد أسماء نبي الله يعقوب، وفلسطين كلمة يونانية لقبائل رومانية. ولكن لارتباط التسميات بالأحداث التاريخية فإننا نعتبر التفكير بالتغيير في الأسماء ومسمياتها كفراً وخيانة.. لمَ لم ينتشر اسم نبي الله لوط (عليه السلام) مثلما شاعت بيننا أسماء كل الأنبياء يوسف ويعقوب وإبراهيم ومحمد وعيسى وموسى (عليهم السلام جميعاً)؟ هل تعرف أحداً اسمه (أبو لوط)؟ انتشرت رسائل ساذجة عبر الإنترنت تشرح أصل تسمية "الكرواسان"، وكيف أنه اسم صليبي يعبر عن رغبه "النصارى" في أكل المسلمين الذين يرمز الهلال لحضارتهم ودينهم، كنت قد قرأت أن التسمية فرنسية. رسائل أخرى تكاثرت عبر الهواتف الجوالة تبشر بموت رسام الكاريكاتير الدانمركي الذي استهزأ برسوماته من الرسول عليه الصلاة والسلام حرقاً، مما يذكر أن الرسومات كانت مجمعة في صحيفة دانمركية لرسامين عدة!! في عصر النعرات الطائفية عرف السُّنة أن الطائفيين الشيعة يسمونهم "النواصب" -أي من ناصبوا آل البيت العداء! المتطرفون من السنة يسمون الشيعة "روافض": أي من رفضوا مبايعة بني أمية على الخلافة.. بنو أمية ماتوا جميعاً، وأصبحوا رميماً، وكذا آل بيت الرسول (عليهم السلام) جميعاً، ونحن لا نزال نخوض معركة صفين والجمل وكربلاء في الألفية! التشيع اختصره الغلاة من أهل السُّنة برجل اسمه عبدالله بن سبأ! المتطرفون من الجانبين يرون في إيران ملاذاً للشيعة، وتاريخاً مشوهاً، واختزالاً بليداً للتاريخ، وكسلاً فكرياً وتطرفاً طائفياً. في مقابلة مع صحيفة "السياسة" الكويتية ساوى المفكر العراقي حسن العلوي بين "أبو مصعب الزرقاوي" وبين "بيان جبر صولاغ" وزير الداخلية في حكومة الجعفري. العلوي سمى صولاغ زرقاوي الشيعة!! هل أصبح الزرقاوي وصولاغ تاريخاً ورمزين للبغضاء في مرحلة عراق الفوضى الطائفية؟ ليس هناك من ينادي بتناسي التاريخ، وليس من عاقل يتجاهل دروس الماضي، ولكن عالمنا يعيش في الماضي أكثر مما يتواجد في الحاضر، ويحنُّ إلى القديم أكثر من تطلعه للمستقبل القادم... نحن أسرى الماضي، ونماذج هذا الأسر وصوره بيننا بلا حدود. د. سعد بن طفلة العجمي