في زيارة له لإحدى مدارس الدولة في الرابع والعشرين من أبريل 1974، قال المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته، إن: "العلم والثقافة أساس تقدم الأمم وأساس الحضارة وحجر الأساس في بناء الأمم، ولولا التقدم العلمي لما كانت هناك حضارات ولا صناعة متقدمة أو زراعة تفي بحاجة المواطنين. وبالتعليم الممتاز نستطيع أن نوفر جيلاً من المواطنين يشرف على بناء المصانع ويدير المشروعات التي بدأت تقام في مختلف أنحاء الدولة، إذ لا يكفي أن تقوم صناعة وطنية دائمة وقوية إلا على أكتاف أبناء البلد، وواجبنا لتحقيق هذا الهدف أن نتيح سبل التعليم والثقافة لكل فرد من أبناء هذا البلد". إن هذا القول المأثور الخالد لمؤسس دولتنا الفتية رحمه الله، يدل دلالة قاطعة على أن التعليم حظي بالاهتمام الذي يستحقه والرعاية الواجبة في فكر زايد منذ المراحل المبكرة لقيام الدولة، لذلك فإن الاستثمار في مجال التعليم حظي بنصيب وافر في سياق العمليات الكلية الهادفة إلى التحديث. وبغض النظر عن أن التعليم يعد مطلباً إنسانياً أساسياً لكافة المواطنين والمقيمين على أرض الدولة، وعن كونه مطلباً اجتماعياً عميق الجذور في مجتمع الإمارات منذ أقدم العصور، فإن الاستثمار في التعليم تم النظر إليه ومنذ البداية من قبل صانعي القرار السياسي وراسمي الخطط التنموية ومنفذيها في المستويات العليا، وبهدي من فكر زايد، على أنه ضروري جداً لتهيئة المواطنين وإعدادهم لكي يصبحوا قوة العمل المناسبة في دولة ذات اقتصاد حديث ينمو بسرعة فائقة لكي يصبح متنوع الأسس والمصادر. من نافلة القول إن الإمارات تتمتع بمعدل سريع للنمو الاقتصادي، وبمستوى دخل فرد مرتفع للمواطن والمقيم، إلى درجة أن بعض الجهات العالمية ومراكز الأبحاث التنموية والاقتصادية رفعت اسم الإمارات من مصاف الدول النامية لكي تضعه على قائمة الدول المتقدمة التي قطعت أشواطاً مشهودة في مجالات التنمية الاقتصادية والرعاية الاجتماعية. ذلك يدل على أن مواطني الإمارات يتمتعون بمستوى دخل مرتفع يفوق 40 ألف دولار أميركي سنوياً، خاصة مع ارتفاع أسعار النفط وتزايد العوائد النفطية خلال العامين المنصرمين. لقد انصبت جهود زايد منذ البداية على تشجيع المواطنين على الإسهام في عملية التنمية الشاملة والمستدامة، وكما هو معروف، فإن جانباً كبيراً من التنمية التي تحققت حدث في فترة زمنية قياسية. وهنا لابد من الإشارة إلى أن الدور الرئيسي يقع على عاتق التعليم وتدريب المواطنين وتأهيلهم، فتدريب المواطنين وتنمية وتطوير قدراتهم لكي يشغلوا المراكز القيادية والحساسة من القطاعات الاقتصادية وخاصة المتعلق منها بالجوانب الفنية لقطاع النفط، يعتبر مدخلاً أساسياً للضلوع في تنمية حقيقية لهذا البلد وللسيطرة على مقدراته. لذلك فإن من الواجب إعداد المواطنين وتأهيلهم بالشكل المناسب في إطار خطط شاملة لتوطين جميع المراكز القيادية التي لها علاقة برسم السياسات والخطط بالمستويات العليا لاتخاذ القرارات وتنفيذها خاصة في داخل العملية التعليمية ذاتها وبمستوياتها كافة. وسيراً على نهج زايد رحمه الله، فإننا في الوقت الراهن نبدو وكأنه لا توجد حدود أو أسقف لتوقعاتنا التي ننتظرها من هذه المؤسسة الاجتماعية المهمة. التعليم كلمة مهمة ومثيرة للجدل في مختلف لغات العالم الحية، كتبت عنها وحولها المجلدات الضخمة، ولا يزال البشر يتنافسون ويتحاورون حول ما تحمله من معانٍ، وأحياناً يتفقون وكثيراً ما يختلفون حولها، لذلك فنحن نتوقع من التعليم أن يعزز ثروة الإمارات الوطنية المالية المتراكمة من عوائد النفط والتجارة والاستثمار وغيرها من مصادر خلق الثروة، وأن يكون التعليم هو الحارس الأمين في إدارة دفة التغيير والتطور والنمو الاقتصادي والاجتماعي، ومؤخراً، السياسي التي يشهدها الوطن. ونحن نتوقع من التعليم أيضاً أن يكون وسيلة الفرد لتطوير ذاته وإثبات وجوده المتميز بين بني البشر. ورغم أن كلمة تعليم تثير لديّ تساؤلات جوهرية عميقة قد تكون الإجابة عليها صعبة في بعض الأحيان، فإنه في دولة الإمارات الفتية التي تشكل فيها قيادتها ومواطنوها وطناً عصرياً وصرحاً شامخاً أسسه زايد، هو أنموذج مثالي لصهر وحدات متعددة في بوتقة صهر، هو عبارة عن وطن واحد أو دولة وطنية واحدة، فإن تلك التساؤلات العميقة تبقى هامشية إذا ما أخذ المرء بعين الاعتبار أنه تناط بالتعليم مسؤولية مهمة، هي تزويد الناشئة بالمقدرة والجدارة اللازمتين للمشاركة في عملية التحديث الشاملة وتطوير الاقتصاد الوطني بشكل عام، والغرس في نفوس الجماهير الشعبية أنماطاً من الشعور السياسي اللازم للوقوف خلف القيادة في سبيل المحافظة على كيان هذا الاتحاد وإنجازاته واستمراريته وتطلعاته، نحو مستقبل مشرق وتشكيل سد منيع ضد الظلم الاجتماعي عن طريق رفع المستوى التعليمي والثقافي للمواطنين. إن من غرس في نفوسنا كل ذلك هو زايد رحمه الله، فلتهنأ في تربتك والدي وسيدي، وسنبقى لك أوفياء مخلصين شاكرين ما حيينا وإلى أن يرث الله عز وجل الأرض ومن عليها.