يساورني القلق من أن يكون البعض قد انصرف بكتابي "فلسطين: السلام وليس التمييز العنصري"، عن تصوراته ومراميه الأساسية. وأقصد بهذه المرامي، أن تستأنف علمية السلام الفلسطيني- الإسرائيلي، إثر توقفها خلال السنوات الست الماضية، وأن يوضع حد للاضطهاد المأساوي الذي يتعرض له الفلسطينيون. وعلى رغم أن معظم من انتقدوا الكتاب، لم يعرضوا من قريب أو بعيد للحقائق المرتبطة بهاتين القضيتين الرئيسيتين اللتين ناقشهما، إلا أن حملة منظمة فيما يبدو، قد تركزت على عنوان الكتاب بحد ذاته، مقترنة باتهامي بكوني عدواً لإسرائيل. وليس في مثل هذه الاتهامات ما يخدم مصالح أي منا، نحن الملتزمين في مواقفنا بأن تظل إسرائيل دولة مسالمة، وتعيش في وئام وتصالح مع جيرانها العرب والفلسطينيين. وإنه لمن المشجع أن أعلن الرئيس جورج بوش أن عملية السلام الفلسطيني- الإسرائيلي، ستكون أولوية قصوى له، خلال العامين المتبقيين من ولايته الحالية. وكذلك دعت وزيرة خارجيته كوندوليزا رايس خلال جولتها الشرق أوسطية الأخيرة، إلى عقد اجتماع إسرائيلي- فلسطيني مبكر، بينما أوصت بأن يكون أساس العملية السلمية، العرض الذي تقدمت به المبادرة العربية خلال قمة بيروت عام 2002. وتقوم هذه المبادرة كما هو معروف، على الاعتراف الكامل بدولة إسرائيل، شريطة عودتها إلى حدود الرابع من يونيو 1967. وينسجم هذا العرض مع السياسات الأميركية الرسمية، وكذلك مع الاتفاقيات والمعاهدات السابقة التي صادقت عليها كافة الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة بين عامي 1978 و1993، فضلاً عن انسجامها مع ما أقرته "خريطة الطريق" وهي الخطة التي طورتها "الرباعية الدولية" بعضوية كل من الولايات المتحدة الأميركية وروسيا الاتحادية والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة. والحقيقة التي لا لبس فيها ولا غموض، هي أن إسرائيل لن تنعم مطلقاً بالسلام حتى تبدي عزماً واستعداداً للانسحاب من الأراضي الفلسطينية التي احتلتها، وتسمح لجيرانها الفلسطينيين بممارسة حقوقهم الإنسانية والسياسية كاملة غير منقوصة. أما فيما يتعلق بالترسيم النهائي لـ"الخط الأخضر"، ففي وسع تل أبيب إجراء تعديل عليه عبر التفاوض مع ممثلي الشعب الفلسطيني، بحيث يسمح ببقاء كثير من المستوطنين في بيوتهم المدعومة الواقعة شرقي حدودها المعترف بها دولياً. والحقيقة أن مبدأ مقايضة الأرض بالسلام، قد لقي قبولاً من قبل غالبية الإسرائيليين على امتداد الحقب، إلا أنه واجه معارضة من قبل قادتها الأكثر محافظة، وهؤلاء للأسف هم الذين يحظون بدعم الأصوات الأكثر جهراً وعلواً بين أفراد الجالية اليهودية هنا في الولايات المتحدة الأميركية. وبالطبع يتعين على كافة الحكومات الممثلة للفلسطينيين، قبول المبدأ نفسه. وقد كشف استطلاع للرأي أجرته "الجامعة العبرية" في مدينة القدس، بالتعاون مع "المركز الفلسطيني للسياسات واستطلاعات الرأي" في مدينة رام الله، في مارس من العام الماضي، عن أن نسبة 73 في المئة من سكان الأراضي الفلسطينية المحتلة، يوافقون على المبدأ ذاته. إلى ذلك أعلن رئيس الوزراء الفلسطيني، إسماعيل هنية، دعمه لإجراء حوار مشترك بين رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس "أبو مازن"، ورئيس مجلس الوزراء الإسرائيلي، إيهود أولمرت. بل أعلن هنية عن عزمه على تقويض الموقف الرافض لحركة "حماس"، في حال توصل الطرفان إلى اتفاق تفاوضي فيما بينهما، وحظي بموافقة الشعب الفلسطيني عليه. وكان "أبو مازن" حصيفاً وحكيماً في رفضه للتصور الذي قدمته له رايس مؤخراً، بإقامة دولة فلسطينية مستقلة، داخل "حدود مؤقتة" يتم الاتفاق عليها بين الجانبين. أما صيغة التوصل خطوة بخطوة إلى اتفاق نهائي، وهي الصيغة التي جرى الترويج لها قبل أزيد من ثلاث سنوات، فقد اتضح أنها صيغة غير عملية ولن تثمر التقدم خطوة واحدة إلى الأمام. وبناءً على تجربتي الشخصية، فإنه يصعب جداً التفاوض على أي اتفاق مؤقت بين الطرفين، بسبب كل ما يحيط باتفاق كهذا من شكوك مستقبلية. والصحيح هو التصدي لجملة قضايا الحل النهائي، بكل تعقيداتها ومصاعبها، باعتبار أن ذلك هو الطريق المفضي إلى السلام النهائي والدائم. وبالنظر إلى هذه التطورات الأخيرة، إلى جانب عزم "الحزب الديمقراطي" على لعب دور أكثر فاعلية في شؤون الحكم، فإن الوقت يبدو ملائماً للغاية، لأن نستوضح مجمل رؤية حزبنا وسياساته الشرق أوسطية، في إطارها العام والعريض. وما أكثر الخيارات المتاحة أمام الكونجرس، وهو يسعى لتنسيق مقترحاته في هذا الصدد، مع سياسات البيت الأبيض. يشار هنا إلى أن الشكوك تساور الكثيرين في أن تفلح توصيات "مجموعة دراسة العراق" في أن توفر أساساً صالحاً للإجماع عليه، فيما يتعلق بحل المأزق العراقي. وإذا ما أخذنا قدرة المشرِّعين الأفراد على صياغة وبلورة تصوراتهم الخاصة، فإن في وسع السياسة الحزبية لـ"الديمقراطيين"، أن ترد عملياً على المزاعم القائلة بعجز "الديمقراطيين" عن تقديم أي بديل في مساعي التصدي للمأزق العراقي. ولعل أهم عامل في سياسات العراق هذه، أن نشدد مطالبتنا لحكومة نوري المالكي الحالية، ببذل أقصى ما تستطيع من جهد وتعاون، في وضع حد لدوامة العنف الطائفي، على أن يقترن ذلك بوضع جدول زمني واضح لانسحابنا من هناك. كما أن من شأن الالتزام بضرورة التعاون الإقليمي في حل ذلك النزاع، بما فيه فتح باب المشاركة لكل من إيران وسوريا، أن يبدد شكوك العراقيين ويطمئنهم إلى أن الولايات المتحدة ليست ذلك الغازي الدخيل الذي يريد أن يبقي على هيمنته الإقليمية أبد الدهر، ويتشبث برغبة أزلية في تشكيل المستقبل السياسي والاقتصادي لشعوب المنطقة، حسب مصالحه وهواه. ورغم رفض إيهود أولمرت لتوصيات "مجموعة دراسة العراق" القائلة إن إحداث أي تقدم ملموس على طريق حل المأزق العراقي، إنما يرتهن إلى إحداث تقدم مماثل في تسوية النزاع الفلسطيني- الإسرائيلي، إلا أن التوصية الأهم والحاسمة التي لا تزال بانتظار "الديمقراطيين"، هي تلك الخاصة بضرورة إحراز تقدم ملموس في محادثات السلام الإسرائيلية- الفلسطينية.