تروي نكتة عراقية أن شيعياً من مدينة الناصرية أخبر صديقه السُّني من الموصل، أنهم عثروا خلال الحفريات في آثار "سومر" على أسلاك، وقال: "هذا يعني أن أجدادنا كانوا يستخدمون الهاتف قبل 5 آلاف سنة". قال المصلاوي: "نحن حفرنا في نينوى ولم نجد أي أسلاك، وهذا يعني أن أجدادنا كانوا يستعملون الموبايل قبل 4 آلاف سنة". هذه واحدة من نكات كثيرة يتبادلها العراقيون الذين يمثلون أكثر شعوب المنطقة تعدّدية في المذاهب والعقائد والأديان والأعراق. واليوم تروّع الحرب الطائفية التي خطّطت لها واشنطن ولندن، آلاف الأمهات البغداديات السنيّات والشيعيات والكرديات والتركمانيات والمسيحيات والصابئيات... في أحياء الرحمانية، والجعيفر، وعلاوي الحلة، والدورة، والبتاوين، والكرادة، والمنصور، والوشاش، والحرية، والثورة، والفضل، وقنبر علي، والحيدرخانة، والصليخ، والفحّامة... وتهدد النزاعات الطائفية التي تخطط لها واشنطن وحلفاؤها في العراق، حياة نساء العشائر السنيّة والشيعية في المناطق المحيطة بالكاظمية والأعظمية؛ كالجبور، والمشاهدة، وطَيْ، والعزَّة، والفلاحات، والعبيد... وملايين النساء في محافظات ومدن العراق؛ من تلعفر وسنجار في أقصى الشمال، إلى أبو الخصيب والزبير في أقصى الجنوب، وحتى مخيّمات اللجوء داخل العراق وخارجه. هؤلاء الأمّهات والزوجات العراقيات لسن مجرد أرحام، وأحضان، بل قلوب عبقرية في البحث عن ملاذ من خطر المذابح التي تشنها واشنطن ومرتزقة المليشيات الطائفية. وفي حديث هاتفي من الكاظمية أخبرني السيد سامي العاملي، مسؤول العلاقات الخارجية في "التيار الخالصي"، كيف استطاعت قبل ثلاثة أيام نساء أحياء مناطق الدورة وأبودشير في بغداد وقف تبادل القصف بمدافع الهاون. "بدلاً من العويل ولطم الصدور، تعالت الزغاريد". وقال السيد العاملي إن سليلات الأسر المختلطة، كالشيعيات المتزوجات من سُنة، أو السُّنيات المتزوجات من شيعة، لعِبن دوراً حاسماً في هذه المبادرات. "الخال وابن الأخت" حسب مثل عراقي استشهد به العاملي في وصف "صمّامات الأمان" التي تمثلها المصاهرات بين الشيعة والسُّنة والعرب والأكراد والتركمان. والعراقيون ليسوا بدعة في المصاهرات المختلطة، بل يقتدون بالرسول محمد صلى الله عليه وسلّم الذي اختار زوجاته، أمهات المؤمنين رضي الله عنهن، من قبائل ومناطق مختلفة. وتحفظُ هذه السُّنة النبوية اليوم حياة آلاف العراقيين، من خطر الحرب الطائفية التي تمثل الرهان الأخير لواشنطن في العراق. ساهم في رعاية هذه المبادرات "تيار الخالصي" الذي يُعتبر مركز "الخط العربي" في المرجعيات الدينية الشيعية. ويذكر المفكر السياسي العراقي عادل رؤوف أن "تيار الخالصي" الذي تزعمه مطلع القرن الماضي الشيخ مهدي الخالصي، ناهض الاستعمار البريطاني و"المرجعيات الخانعة للمصالح الاستعمارية". وفي الشهر الماضي جازف حفيده الشيخ جواد الخالصي بحياته من أجل عقد وساطات بين العشائر العراقية السُّنية والشيعية في المناطق المحيطة بالكاظمية. وقال لي شقيقه الشيخ هادي الخالصي، إن قوات الاحتلال سارعت، عندما استتب السلام إلى اعتقال رؤساء العشائر المتصالحة. تؤكد هذه التصرفات على استمرار الاحتلال في "تكريس الطائفية السياسية في المجتمع على نحو مريع". أكد ذلك المستشار القانوني العراقي عبدالحسين شعبان في بحث ألقاه في ندوة "احتمالات الحرب الأهلية في العراق"، التي عُقدت في العاصمة الأردنية عمّان خلال الأسبوع الماضي. وحذّر الدكتور شعبان، الذي صدر له أخيراً في بيروت كتاب "فقه التسامح العربي- الإسلامي"، من أن "القوى المتحكمة واللاعبة الأساسية، ستمضي في تحقيق مشروعها التفتيتي التجزيئي الذي يريد تحويل المنطقة إلى كانتونات وطوائفيات ومناطقيات مجهرية، وتبديد الهوية الوطنية الجامعة". وذكر أن الولايات المتحدة والحكومة العراقية تطلقان كلمة "التمرّد" على أي عمل مقاوم يستهدف الاحتلال، وتتهمان "التكفيريين" و"الصداميين" و"الخارجين على القانون"، وهي التي داست عليه وعلى اتفاقيات جنيف وعلى القانون الدولي الإنساني. قال شعبان إن الولايات المتحدة وحلفاءها لا يريدون الإقرار بوجود حرب أهلية، لكي لا يضطروا إلى الاعتراف بالتعامل مع المقاتلين، بموجب بروتوكولات جنيف. ويعود إنكار وجود حرب أهلية في العراق، حسب تقديره إلى علاقة ذلك بالحقوق التي يضمنها القانون الدولي الإنساني للمقاتلين والمقاومين، حسب اتفاقيات جنيف التي تُقرُّ "أن حق المقاومة لاستعادة الاستقلال والسيادة وتقرير المصير، هو حق مكفول ويضمنه القانون الدولي الإنساني، وهو قاعدة آمرة من قواعد القانون الدولي". وهذا أمرٌ قد يغيب، حسب تقديره: "عن أوساط غير قليلة، بما فيها بعض أطراف المقاومة التي تتصدى للاحتلال، إذ أن الأمر يرتّب لها حقوقاً فضلاً عن واجبات في التعامل". وإذا صحّت المعلومات التي أوردها أخيراً "غيث عبدالأحد"، مراسل صحيفة "الغارديان" البريطانية من بغداد، فإن قادة المقاومة العراقية يواجهون حالياً معضلة صعبة، عندما يتصدون لقوات عراقية تلعب دور الدرع الواقي للغزاة المحتلين. والسؤال المطروح الآن: كيف سيكون موقف المقاومة من الخطة الجديدة التي أعلنها أخيراً الرئيس الأميركي، والتي تقوم على أساس تضمين قوات الاحتلال داخل القوات العراقية؟ هل يلتزم قادة المقاومة بالوصية الأخيرة للرئيس العراقي الراحل صدام حسين: "لا تضربوا على أساس مواتاة الفرصة أمام فوهة البندقية فحسب، وإنما على أساس الضرورة الملجئة التي تهدف إلى تحرير العراق من الغزو اللعين وذيوله وتابعيه، ولا يغيب عن بالكم أن التحرير هو الهدف وأن كل عمل خارج الضرورة الواجبة لإنجاز الهدف، ميل أو انحراف عن خط جهادكم"؟ قبل ثلاثة أيام من إعدامه نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" مقاطع من رسالته التي تدعو إلى التسامح والعفو حتى عن الذين أهدروا "دماء أبنائكم، ومنهم أبناء صدّام حسين". وتنُصُّ رسالته المنشورة بالعربية في موقع إنترنت خاص بحزب "البعث" على العفو "عفواً صادقاً لوجه الله لا رجعة فيه، مستذكرين سيرة الأنبياء والرسل، ومنهم الرسولان الكريمان صلى الله عليهما وسلّم محمد بن عبدالله وعيسى ابن مريم". ما ردود الأفعال على هذه الدعوة بين جماعات المقاومة التي تضم قوى مختلفة، وطنية مستقلة، و"بعثية" موالية للنظام السابق، وسلفية مناهضة لـ"البعث"؟ هل تستمع عشائر ما يسمى "المثلث السُّني" لدعوته "أن تتذكروا وتذكروا بأن ضرب العدو أسهل من التسامح معه لو أنه اختار طريق التراجع سواء كان ذلك العدو داخلياً أم خارجياً"؟ وهل تأبه الجماعات السلفية لوصيته التي تستند إلى بنية فكرية مغايرة وتستخدم لغة غريبة عنها، كقوله: "إن أصحاب الحصانة العليا وحدهم هم من بإمكانهم أن يقوموا بالتسامح عند الاقتدار... وألا تنسوا وأنتم تتذكرون أن بعد كل حربٍ سلاماً، وبعد كل فرقةٍ واختلافٍ ائتلافاً واتحاداً، وبعد كل تباعدٍ تقارب، وبعد كل بغضاءٍ قد يمنّ الله بعودة وإلفة، وأن الإنسانية حالة واحدة تستلزم صيانة معانيها"؟! إذا كانت هذه حقاً الوصية الأخيرة لأكثر حكام العراق في التاريخ اتهاماً بالحقد والتعصب الطائفي، فمن الصعب تصوّر كيف ينجح الرهان الأخير لواشنطن على الحرب الأهلية بين العراقيين!