جاءت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس بأفكارها وخطتها ومبادرتها وعرضتها في الشرق الأوسط، وواضح أنها من خلال جولتها في دول المنطقة واحدة تلو الأخرى لاقت الدعم السياسي والدبلوماسي المطلوب من أجل إنجاح خطة بلدها. ومن المهم أن تدرك وزيرة الخارجية أن هناك خططاً كثيرة مرت على المنطقة، ولم يكتب لها النجاح ليس لشيء إلا لأنها افتقدت إلى مقومات النجاح الحقيقية، فلم تلمس النقاط الجوهرية بشكل مباشر أو لأنها تجاهلت نقاطاً أخرى... لذا من المهم أن تستمع الولايات المتحدة الأميركية إلى نصائح "أصدقائها"، وإن كانت تعتبرهم أصدقاء من الدرجة الثانية أو الثالثة؛ ففي النهاية هؤلاء الأصدقاء هم من سيكتوون بنار تلك الخطة أو هوائها المنعش. كل دول المنطقة تأمل في أن تحقق الخطة الأميركية الجديدة أهدافها في جلب الاستقرار للمنطقة، بعد سنوات الحرب الطويلة، وخاصة بعد سنوات الحرب الأربع الماضية في العراق. لكن في المقابل من المهم أن تعرف الولايات المتحدة أن كثيراً من الحكومات العربية -وإن لم تعلنها صراحة- هي غير راضية عن السياسة التي قررت الحكومة الأميركية اتخاذها في العراق والمتمثلة في زيادة عدد قواتها العسكرية هناك، أو في استعداداتها للخيارات العسكرية في المنطقة، سواء ضد إيران أو غيرها، ولكن رغم ذلك أبدت تلك الدول استعدادها للتعاون مع مبادرة وزيرة الخارجية الأميركية والخطة الأميركية في المنطقة على أمل أن تعيد الولايات المتحدة النظر في خياراتها العسكرية التي ستكون نتائجها غير مضمونة، بل ستكون نتائجها السلبية على المنطقة أكثر بكثير من نتائجها الإيجابية. الولايات المتحدة الأميركية ربما "ترغب" في إصلاح ما يمكن إصلاحه في العراق وفي المنطقة نتيجة سياساتها الفاشلة خلال السنوات الماضية، ومن المهم ألا تغفل إدارة الرئيس جورج بوش التي تقوم على تنفيذ الخطة الجديدة في المنطقة، أمرين مهمين: الأول يتعلق بالعراق، والآخر بفلسطين. فيما يتعلق بالعراق يجب أن تتيقن تمام اليقين أنه إذا ما استمرت الحالة الطائفية في العراق على وضعها ومستواها الحاليين، فإن أية خطة مهما ادعى واضعوها ضمان نجاحها أو أكدوا على نفاذها وتحقيقها لأهدافها، لن تتم ما دام هناك "طائفيون" يغذون الفتنة الطائفية بطريقة منظمة ومدروسة أقل ما يمكن وصفها به أنها "خبيثة"، وهم يقصدون بها ضرب السُّنة بالشيعة في العراق من أجل تحقيق أهداف سياسية "رخيصة"... إذن أي خطة في ظل بقاء الطائفية في العراق لن تحقق أية مصالحة بل لن تحقق أدنى مستوى من الاستقرار. الأمر الآخر والاهم في أية خطة تتعلق باستقرار المنطقة، هو الوضع في فلسطين، والذي لا يمكن تجاهله أثناء الحديث عن المنطقة العربية ككل، فهذه القضية المحورية التي يؤكد الجميع على أنها أساس حل مشكلات المنطقة وأساس الاستقرار أو عدم الاستقرار فيها... وهذا كلام سمعته الولايات المتحدة وإدارة بوش كثيراً، لكن يبدو أنها غير مستعدة حتى اليوم للاقتناع به أو وضعه في الاعتبار! النقطة المهمة المرتبطة بما سبق، هي أنه بات من الواضح، إذا ما اعتبرنا الولايات المتحدة غير قادرة على الوصول إلى النقطة التي يمكن من خلالها إعادة الاستقرار إلى العراق، أن أحداً لا يستطيع أن ينكر أن إيران تعمل على تعقيد أي حل فيه؛ فالتدخل الإيراني المتعاظم في العراق صار واضحاً بشكل يومي، وبالتالي صار في حال يجب أن يتوقف فيه نهائياً.. فهذا التدخل لن يجلب لإيران وللمنطقة غير مزيد من التوتر وعدم الاستقرار وزعزعة الثقة التي يسعى العرب إلى تعزيزها مع جارة تاريخية كجمهورية إيران الإسلامية... فاستقرار العلاقات وتواصلها بشكل إيجابي بين إيران والدول العربية، ستكون له آثاره الجيدة على المنطقة بشكل عام وسيوفر عليها سنوات أخرى من التوتر وعدم الاستقرار. حكومة نوري المالكي يفترض أن تشارك حكومات المنطقة في عملها على إعادة الاستقرار الإقليمي، سواء في ظل الخطة الأميركية أو غيرها، فلم يعد لديها إلا خيار واحد وهو أن تعود إلى السرب العربي، وألا تبقى لوقت أطول تغرد خارج هذا السرب مع إيران وغيرها، وهذه بداية نقطة الانطلاق بالنسبة لأي دعم عربي حقيقي للحكومة العراقية الحالية... فمن غير المنطقي أن تدعم الحكومات العربية أية حكومة تتجه إلى دولة أو دول غيرها... وأعتقد أن أحداث الأعوام الماضية كفيلة بأن تساعد الحكومة العراقية على اتخاذ القرار السليم خاصة أنها أنهت مهمتها الرئيسية وهي "القضاء على صدام نهائياً" وإلحاق رفاقه به. وأية خطة أمنية مهما بلغت عبقريتها في العراق اليوم، إذا ما تجاهلت الوضع الطائفي أو عملت على تأجيجه، هي خطة فاشلة ويفترض أن حكام العراق الجدد يفهمون ذلك جيداً، فالمرحلة الجديدة في المنطقة لا تحتمل إبقاء الحياة الطائفية التي يعيشها العراقيون اليوم، بل صار من المطلوب فوراً إلغاء الطائفية التي جلبت الدمار للعراق والموت للعراقيين. وحكام العراق الجدد يجب أن يعيدوا النظر في وضعهم ودورهم في العراق وإلى خيارهم الاستراتيجي الذي بني بشكل رئيسي على الطائفية والمذهبية... كما أنه من غير المنطقي أن تستهين الحكومة العراقية بوضعها مع دول الجوار العربي، فسيبقى العراق جزءاً لا يتجزأ من الوطن العربي، وإن عمل البعض على إثارة النزعات الطائفية لفصل العراق عن محيطه العربي... وقد أكدت الأيام والسنوات الماضية أن عروبة العراق بكل أجزائه، شرقه وغربه شماله وجنوبه، أمر من الصعب التلاعب به، وأن ثمن العبث به سيكون باهظاً على الجميع في العراق وحوله. في ظل التطورات الأخيرة في المنطقة، صار من المهم وجود تعاون عربي أكبر من أجل تغيير الوضع في المنطقة ولعب دور حقيقي في الأحداث، فالسنوات القليلة التي مضت أعطت الجميع دروساً قاسية في مدى خسارة العرب في حال ابتعاد واختفاء القرار العربي في الوقت المناسب، الأمر الذي كاد يخرجهم من اللعبة ويجعلهم مجرد جمهور يتفرج على ما يحدث أمامه وبينه -في بعض الأحداث الماضية كانوا كذلك- بل وفيما يؤثر على حاضره ومستقبله وما يؤثر على اقتصاده وأمنه دون أن يستطيع أن يتخذ موقفاً سليماً واحداً في الوقت المناسب! التطورات السياسية والأمنية التي ستشهدها المنطقة خلال الفترة المقبلة، تمنح العرب فرصة أخرى للعودة إلى الساحة كلاعب أساسي وقوي، ويفترض ألا تضيع هذه الفرصة والعرب اليوم يعرفون عواقب ضياعها على أمن واستقرار واقتصاد المنطقة على المدى القريب والبعيد.