طالعت في عددكم الصادر يوم الثلاثاء الماضي، مقال الدكتور محمد عابد الجابري، "ما تجاهله الحبر الأعظم"، وقد ردّ فيه على محاضرة البابا بنيديكت السادس عشر الشهيرة، والتي كال فيها اتهامات ضد الإسلام باللاعقلانية والميل إلى العنف والقسوة... لكن ردَّ الجابري ليس كباقي الردود التي طالعناها لدى البعض خلال الأشهر الأخيرة، والتي حملت، بسبب تشنجها وروح التطرف في ثناياها، من الإساءة إلى الإسلام، أكثر مما أضافت إلى تعزيزاته الدفاعية! مارس الجابري حق التعليق والرد، منطلقاً من عقل واعٍ ومنفتح ومستنير، وبالاستناد إلى كتب المؤرخين الغربيين أنفسهم حول الدور الذي لعبه الإسلام والمسلمون في بروز النهضة الأوروبية الحديثة، خاصة لجهة إحياء وشرح وتهذيب العقل الأرسطي الذي ارتبط في الغرب الحديث بالفيلسوف العربي ابن رشد. فضلاً عن أن الدفعة القوية التي أعطتها ترجمات معاني القرآن الكريم، لحركة الإصلاح الديني في أوروبا، وما حدث بسببها من تحولات حقيقية في اللاهوت المسيحي، ساعدت على إضعاف السلطان المطلق للكنيسة وسلكها الكهنوتي الذي طالما حاصر العقل ومنعه! إن حواراً هادئاً وعقلانياً من هذا النوع، مع الآخر الثقافي، هو ما نحتاجه أشد الاحتياج في ظل الهجمة التي يواجهها الإسلام حالياً، وليس إلى أصوات خاوية تزعق وترعد وتزبد... تضر بصورة الإسلام أكثر مما تفيدها! تيسير عبدالرحمن- القاهرة