من كان يتخيل أن يتحول الرئيس المكسيكي فليب كالديرون، بكل ما عرف عنه من اهتزاز شخصيته ولا شعبيته، إلى بطل قومي بين عشية وضحاها؟ لقد كان ذلك بفعل إعلانه حرباً شعواء لا هوادة فيها ضد عدوين داخليين مشتركين ومتلازمين، هما شبكات ترويج المخدرات، وما أفرزته من شبكات للجريمة المنظمة في بلاده. وفيما لو وفق كالديرون في حربه المعلنة هذه، فإنه سيكون قد حقق نجاحاً كبيراً في توطيد أركان رئاسته، فضلاً عن ترسيخه لأمن بلاده القومي طويل الأمد. أما في حالة فشل مجهوده الحربي، فإنه لا محالة خاسر في كلتا الجبهتين المذكورتين. ومهما يكن فإن أمام كالديرون خياراً وحيداً لا غير، هو تحقيق النصر. ذلك أن بلاده تتحول إلى فوضى عارمة وتفتقر إلى القانون، يوماً إثر الآخر، في حين بدأت رئاسته هو نفسها ضعيفة ومهزوزة، جراء الخلافات الانتخابية التي أحاطت بها والانقسامات السياسية التي أعقبتها. ولذلك فإن عليه أن يثبت أهليته وكفاءته لهذا المنصب، الذي يرى الكثير من المكسيكيين أنه ليس أهلاً له، من ناحية الشرعية الانتخابية التي حظي بها. ومما لاشك فيه أن الجانب الأمني، يعد أولوية قصوى في دولة قتل فيها خلال العام الماضي وحده، ما يزيد على 1500 مواطن، في مواجهات عنف لها صلة بتجارة المخدرات وترويجها. ومن جراء العجز الحكومي الذي طبع فترة رئاسة سلفه "فينسنت فوكس"، فقد جرى اختراق مؤسسات حكومية رئيسية بحالها، وتحول الكثير من المسؤولين الحكوميين إلى متواطئين مع الجريمة والمجرمين، بينما قتل المئات من ضباط الشرطة، وكذلك لقي العشرات من القضاة مصرعهم، إلى جانب اختفاء عدد من الصحفيين الذين تناولوا ظاهرة تفشي الإجرام وتجارة المخدرات في مجتمعهم. وخلال عهد حكم الرئيس السابق "فوكس"، تحولت المكسيك إلى دولة أشد عنفاً وترويجاً للمخدرات، من جارتها كولومبيا. ومن هنا فإن على كالديرون أن يعيد إلى البلاد عافيتها، ويزيل ما علق بتربتها وتاريخها من آثام الجريمة والعنف والمخدرات. وغافل من ظن أن هذه مهمة سهلة بأية حال من الأحوال. ذلك أن تنامي ترويج تجارة المخدرات في المكسيك، إنما يعكس مفارقة واقعية جد مؤلمة، ألا وهي أن الجهود الحكومية المبذولة في مجال مكافحة المخدرات، إنما تقوضها ممارسات الفساد المنسوبة للقائمين على أمر هذه التجارة. وعليه فإنه يتعذر على هذه التجارة أن تستمر وتزدهر أصلاً، دون أن تتمتع بسند وحماية المتواطئين معها داخل جهاز الدولة نفسه! ليس غريباً إذن القول إن تجارة الكوكايين تنفق سنوياً ما تصل قيمته إلى نصف المليون دولار على رشاوى المسؤولين، وهو مبلغ يساوي ضعف الميزانية السنوية المخصصة لمكتب النائب العام المكسيكي. ولهذا السبب، فإنه يصعب جداً التمييز بين المسؤولين النزيهين والفاسدين في جهاز الدولة. أما قوات الشرطة فهي تؤدي دوراً مزدوجاً، يدمج ما بين مكافحة تجارة المخدرات وحمايتها في ذات الوقت. وكثيراً ما نشبت معارك ومواجهات العنف بين تشكيل من الشرطة يقوم بأداء مهامه القانونية والأمنية في مكافحة المخدرات، وتشكيل شرَطي آخر يتولى حمايتها والدفاع عنها. ولذلك فليس ثمة ما يثير الغرابة والعجب، إن أرغمت قوات الشرطة المحلية على تسليم أسلحتها، في إطار حملة "تجوانا" التي شنها كالديرون على تجارة المخدرات، واستطاعت أن تصنع الأخبار وعناوين الصحف والقنوات الفضائية والإذاعية خلال الشهر الحالي. وبسبب استشراء ممارسات الفساد في أوساط الشرطة، فقد تخلى عنها كالديرون تماماً، واستعان بقوات الجيش لتنفيذ حملته هذه. وبالنتيجة فقد شارك 3.300 جندي من قوات الجيش والبحرية، وكذلك عدد من الضباط الفيدراليين، في الحملة المذكورة هذه. غير أن إحدى المشكلات المحيطة بهذه الحملة، توسيع السلطات الممنوحة للجيش على المدنيين، خاصة في الولايات التي أعطيت فيها السلطة العليا للجيش. والمعلوم أن توسيع سلطات العسكريين، عادة ما تنجم عنها ممارسات الفساد. وفي هذا ما يهدد بتقويض هذه الحملة وإفشال أهدافها. دنيس دريسر ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كاتب وأستاذ بمعهد التكنولوجيا المكسيكي المستقل ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"