في ظل رئاسة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل للاتحاد الأوروبي، وفي بادرة هي الأولى من نوعها، تسعى القارة الأوروبية إلى توسيع الهجرة القانونية للأفارقة إلى مختلف بلدانها ودولها. فخلال الأسبوع الجاري، أعلن وزراء العدل والشؤون الداخلية بالاتحاد الأوروبي عزمهم إنشاء برنامج جديد، يسمح بإصدار تصريحات دخول مؤقتة لاستقدام العمالة الأفريقية إلى بلدان الاتحاد. ويأتي هذا القرار في وقت حاسم بالنسبة للقارة الأوروبية، التي سجلت فيها الهجرة الوافدة إليها أرقاماً قياسية في تاريخها الحديث، مع توقع موجة هجرة كبيرة بحلول الربيع المقبل. ويأمل المسؤولون الأوروبيون أن ينجحوا في إنشاء نظام جديد لما يسمونه بـ"الهجرة الدورية"، وهو نظام قصد منه تقديم حافز لدول المصدر، بحيث تتأكد من عودة من يهاجرون منها إلى أراضيها بعد انقضاء مدة التأشيرة التي يقضونها بدول الاتحاد الأوروبي. ويتضمن ذلك الإجراء فرض عقوبات على من يمتنعون عن العودة من المهاجرين. وتأتي هذه المبادرة في إطار مسعى جديد لحل مشكلة هزت الأوروبيين العام الماضي، ألا وهي المحاولات المستميتة التي قام بها ما يزيد على 30 ألفاً من المهاجرين غير الشرعيين الأفارقة، أي ما يعادل ستة أمثال إجمالي المهاجرين غير الشرعيين للعام الماضي، على أمل التوغل شمالاً إلى داخل بلدان القارة، تسللاً عبر جزر الكناري. وبالنسبة للبعض، فقد بدت هذه المبادرة شبيهة إلى حد كبير ببرنامج العمالة المهاجرة الألماني، في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، أو شبيهاً ببرنامج "براسيرو" الأميركي الخاص باستقدام العمالة المكسيكية المهاجرة، الذي كان قد انتهى في ستينيات القرن الماضي، بعد أن جلب إلى الولايات المتحدة الأميركية 70 مليون مهاجر مكسيكي، واصل الكثيرون منهم البقاء، ورفضوا العودة إلى بلادهم. وعلى أية حال، فستقرر النتيجة التي يسفر عنها هذا البرنامج الأوروبي الجديد، بهيكلية الخطة وسبل تنفيذها على امتداد القارة الأوروبية بأسرها، على حد قول المحللين. وضمن ذلك ورد تعليق "دمتريوس بابادمتروا"، رئيس "معهد سياسات الهجرة" في واشنطن: "تبدو هذه الفكرة جديدة وقديمة في ذات الوقت. ولكن تكمن المشكلة في الكيفية التي يمكن بها إنشاء النظام الكفيل بتطبيقها، وما هي الحوافز المتوفرة لها، وما هي العقوبات التي ستطبق في حالة انتهاك التعاقد مع المهاجرين بموجبها"؟ ومن ناحيته قال "وولفجانج سكاوبل"، وزير الداخلية الألماني، إن في وسع مبادرة الاتحاد الأوروبي هذه أن تصطاد ثلاثة عصافير بحجر واحد، حيث تستفيد القارة الإفريقية من الحوالات المالية الكبيرة لهؤلاء المهاجرين، بينما يتمتع العمال المهاجرون أنفسهم بالإقامة الشرعية والأمان الوظيفي في مختلف دول القارة الأوروبية، في ذات الوقت الذي تحل فيه أوروبا مشكلة نقص عمالتها. أما إدارة وتنفيذ هذا البرنامج، فهما من شأن ومسؤولية كل واحدة من الدول الأوروبية، اعتماداً على التفاوت بين سوق العمل، من دولة أوروبية إلى أخرى. ومضى الوزير قائلاً إن ما تأمل ألمانيا في إنجازه خلال الستة أشهر المقبلة من رئاستها للاتحاد الأوروبي هو تحديد الإطار العام والعناصر الأساسية اللازمة لبناء هذه الشراكة التعاقدية بين الدول الإفريقية والاتحاد الأوروبي، فيما يتعلق بهجرة الأيدي العاملة منها إلى أوروبا. وأوضح أن هذه التعاقدات ستتم على أساس فردي، مع كل واحدة من دول القارة الأوروبية. غير أن ألمانيا تدرك جيداً أن الأمر ليس بتلك البساطة، ما أن يكون الموضوع المطروح هو إصدار تأشيرات دخول مؤقتة إلى البلدان الأوروبية. وقد توخى وزير داخليتها الحذر والحنكة في عدم استخدامه لعبارة "Gastarbeiter" التي تعني حرفياً "العمالة الزائرة". وتشير هذه الكلمة إلى فشل برنامج الهجرة الذي كانت قد طبقته ألمانيا في حقبة ما بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وهو البرنامج الذي أدى إلى تحديات دمج المهاجرين وإلحاقهم بجسد المجتمع الألماني المعاصر. وعلى حد قول المحلل "بابادمتروا"، فقد خلف برنامج العمالة الزائرة الألماني، ونظيره الأميركي"براسيرو" اللذان كان قد جرى تطبيقهما في عقدي أربعينيات وستينيات القرن الماضي على التوالي، أثراً مريراً لدى الكثيرين، جراء الفشل الذريع الذي تمخضا عنه. لكن مع ذلك يرى "بابادمتروا" أن الحكم العام المطلق بفشل البرنامجين المذكورين لم يكن صحيحاً ودقيقاً كل الدقة. فعلى رغم صحة القول برفض ملايين المهاجرين العودة إلى بلدانهم الأصلية، إثر انتهاء مدة تعاقدهم بموجب شروط هذين البرنامجين، إلا أن بقاءهم أسهم في إحداث تحولات اقتصادية كبرى على مستوى القارة الأوروبية بأسرها، وكذلك على مستوى الاقتصاد الأميركي. ومن جانبه يرى الرئيس بوش أن الفشل ليس صفة لازمة ومصاحبة لبرامج هجرة العمالة المؤقتة. بل إن في وسع هذه البرامج أن تقدم حلاً ناجعاً لجملة التحديات والتعقيدات التي تواجه برامج الهجرة إلى أميركا. وكان مجلس الشيوخ الأميركي قد صادق على مشروع قانون في شهر مايو الماضي، كان قد اقترحه الرئيس بوش في عام 2004، نص على منح المهاجرين تأشيرات إقامة مؤقتة مداها ثلاث سنوات قابلة للتجديد. إلا أن الكونجرس الذي كان يسيطر عليه النواب "الجمهوريون" أغلق الطريق أمام صدور مشروع القانون المذكور. غير أن "الديمقراطيين" وعدوا اليوم -إثر سيطرتهم على الكونجرس- بإصدار تشريع بذات الأهداف، على أن يتضمن نصوصاً خاصة ببرنامج العمالة الزائرة. دانيال جارسون ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مراسل "كريستيان ساينس مونيتور" في ألمانيا ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"