فجَّرت روح التعديلات الدستورية التي اقترحها الرئيس مبارك، بطابعها النازع إلى تقليص صلاحيات رئيس الجمهورية لصالح مجلس الوزراء، حالة مقارنة بين هذه الروح والروح الاكتنازية الاستئثارية بالسلطات التي شهدتها مصر في تجربة دستور 1930. كانت الأمور تجري في مصر منذ إصدار دستور 1923 الذي ينص على أن الملك يمارس سلطته من خلال وزرائه في حالة من النزاع بين حكومات حزب "الوفد" وبين الملك، حيث كانت الحكومة تصر على أن تمر سلطات الملك من خلالها وبعد أخذ موافقتها. بعد سبع سنوات وفي عام 1930 فاض الكيل بالملك فؤاد وضاق صدره بهذه المنازعة، فأرغم حكومة "الوفد" على الاستقالة وعين إسماعيل صدقي باشا رئيساً جديداً للوزراء، ثم أصدر دستوراً جديداً عرف باسم دستور 1930. أطق هذا الدستور سلطة الملك بدون حدود حيث أعطى السلطة التنفيذية صلاحيات واسعة على حساب البرلمان، كما جعل اقتراح القوانين المالية من حق الحكومة الخاضعة له وحده، وضيق من حق مجلس النواب في الاقتراع على عدم الثقة في الحكومة كما أعطى الملك لنفسه حق حل مجلس النواب دون تحديد موعد لإجراء الانتخابات الجديدة. إن المقارنة بين هذا الاتجاه الاستئثاري بالسلطات وبين مقترحات الرئيس مبارك لتعديل دستور 1971 الذي وضعه سلفه الرئيس السادات، كفيلة بالكشف عن الروح المختلفة التي تحكم التعديلات الجديدة. لقد طالب مبارك أن يكون رئيس الوزراء مشاركاً ليس فقط في صنع السياسة العامة والإشراف على تنفيذها، بل اقترح أن يشارك رئيس الوزراء في سلطات الرئيس المنصوص عليها في سبع مواد من الدستور تتصل بإصدار القوانين بتفويض من مجلس الشعب وإعلان حالة الطوارئ وإبرام المعاهدات والاتفاقات الدولية وإصدار اللوائح التنفيذية للقوانين ولقرارات تنظيم المرافق والمصالح العامة. إن هذا الاتجاه من جانب مبارك يقترب اقتراباً نسبياً من النظام الفرنسي، حيث يتمتع رئيس الوزراء بسلطة وضع السياسة الداخلية بينما يترك لرئيس الجمهورية مجال السياسة الخارجية والدفاع. إن هذا الاقتراب -فيما أرى- هو اقتراب نسبي ولكن يمكنه أن يتطور مع مراحل أخرى من التعديل الدستوري لتعزيز سلطات مجلس الوزراء ورئيسه، خاصة أن المنهج الذي يتبعه الرئيس في إطلاق عملية الإصلاح السياسي والدستوري يقوم على التدرج والتقدم على جرعات وهو ما يعني أن كل مرحلة إصلاحية يمكن أن تؤدي إلى أخرى، لا أن تعد نهاية المطاف. إن نظرة على مجموع القضايا التي طرحها الرئيس مبارك للتعديل الدستوري فيما يتعلق بالممارسة للسلطات تكشف عن الروح الجامعة لهذه الحزمة من القضايا والتي تميزها عن روح دستور 1930 الاستبدادية. لقد طرح الرئيس تعديلاً للمادة 74 من الدستور التي كانت تعطي منذ عام 1971 رئيس الجمهورية الحق في اتخاذ الإجراءات العاجلة عند مواجهة أية أخطار تهدد سلامة الوطن أو تعوق مؤسسات الدولة عن أدائها الدستوري دون أن يتشارك مع أي سلطة أخرى حول طبيعة الإجراءات اللازمة ودن تحديد لأي ضوابط تبين مدى خطورة الظروف التي تستدعي هذه الإجراءات. إن التعديل الجديد يطلب أن تكون هناك ضمانات تحكم استخدام السلطات المقررة في هذه المادة وذلك بأن يكون الخطر الذي يهدد الوحدة الوطنية أو سلامة الوطن خطراً جسيماً وحالاًّ. كذلك يطلب التعديل ألا ينفرد الرئيس باتخاذ الإجراءات السريعة لمواجهة الخطر بل يلزمه بالتشاور مع رئيس مجلس الوزراء ورئيسي مجلس الشعب والشورى، بل ويضع على الرئيس شرطاً يقضي بألا يتخذ من حالة الخطر ذريعة لحل مجلس الشعب أثناء ممارسة السلطات الممنوحة له في المادة. إن هذا التوجه من جانب مبارك يعني أنه يحاول إصلاح العوار الدستوري الذي كان موجوداً في المادة منذ وضعها عام 1971، بإطلاق سلطة الرئيس دون ضوابط ودون شركاء. وهذا التوجه يظهر في قضايا أخرى عديدة خاصة اقتراح الرئيس أن يكون من حق مجلس الشعب سحب الثقة من الحكومة وإقالتها دون الحاجة إلى استفتاء، وهو الشرط المقيّد لحق مجلس الشعب والموجود في دستور 1971. وخلاصة المقارنة واضحة النتيجة من حيث اتجاه الرئيس إلى تقليص سلطاته ودعم سلطة البرلمان.