أكد "بان كي مون" وزير الخارجية الكوري الجنوبي السابق، والأمين العام الجديد للأمم المتحدة، عزماً مسبقاً على أن يكون أميناً عاماً من طراز مختلف، للمنظمة الدولية. وهذا هو السبب الرئيسي الذي أتاح له دعم الولايات المتحدة الأميركية لمسعاه لتولي هذا المنصب. لكن وعلى أية حال، فقد ثارت التساؤلات منذ الأيام الأولى لمباشرته المنصب، حول أي نوع من الأمناء سيكون، وما إذا كان سيبقي على الأوضاع الحالية لمنظمته، أم أنه سيهتدي إلى حدسه الشخصي وحدس أصدقائه ومؤيديه، بمن فيهم مسؤولو واشنطن؟ وفي معرض الإجابة عن هذه الأسئلة، فإن علينا الأخذ بالقضايا الأربع التالية: أولاً، وفي استجابته الأولى لعملية إعدام الرئيس العراقي السابق صدام حسين، قال "بان" إن قرار الإعدام، هو شأن داخلي تقرر فيه كل دولة من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة. فثارت ثائرة ناشطي حقوق الإنسان ومفكريه ومثقفيه، احتجاجاً على ذلك التصريح، وقالوا إنه يعد تراجعاً واضحاً من عقود من الإنجاز في هذا المجال، توج أخيراً بإدانة الأمم المتحدة الصريحة لعقوبة الإعدام، بل إنه يعد تراجعاً صريحاً مما عرف به كوفي عنان الأمين السابق للمنظمة، الذي طالما جهر بصوت إدانته القوية لهذه العقوبة اللاإنسانية. وأمام هذه الحملة الشرسة من الانتقادات، اضطر "بان" إلى التراجع نوعاً ما، وناشد الحكومة العراقية بعدم تنفيذ الأحكام على المتهمين الآخرين، اللذين تمت إدانتهما مع صدام. غير أن الحقيقة أن حدسه الأول كان صحيحاً. ذلك أن حقيقة الجدل الذي دار، ليس هو حول عقوبة الإعدام بحد ذاتها، بقدر ما هو معني بدور الأمم المتحدة، ومدى حقها في التدخل في الشؤون الداخلية للدول، خاصة إن كانت القضية مثار الخلاف، هي عقوبة الإعدام، التي لا يزال مختلفاً عليها بين الكثير من الدول الديمقراطية ذات السيادة. ولنذكّر هنا بحقيقة أن ميثاق الأمم المتحدة، ينص على أن الأمين العام للمنظمة، هو أعلى موظفيها رتبة، ولكنه ليس قيماً على الأخلاق بأية حال من الأحوال. وللذين يقارنونه في هذا الموقف بسلفه كوفي عنان، فإن من الواجب القول، إنه وفيما لو تفرغ عنان لأداء واجباته القيادية اليومية– وليست الأخلاقية- لكان قد جنب منظمته فضائح صفقة النفط مقابل الغذاء، وكذلك فضائح تزوير المشتريات، مضافاً إليهما فضائح الاستغلال الجنسي الكثيرة التي لحقت بسمعة جنود المنظمة التابعين لوحدات حفظ السلام، في مناطق شتى من أنحاء العالم. ثانياً، أثار "بان كي مون"، جدلاً آخر، لا يقل دوياً ولا ضجة عما قاله في حادثة الإعدام، بما جاء في حديثه أثناء لقاء صحفي أجري معه: إذا ما سارت تسوية النزاع الإسرائيلي- الفلسطيني كما ينبغي، فإن من المتوقع أن تحل قضايا ونزاعات شرق أوسطية أخرى، مثلما هو الحال في كل من لبنان وإيران. وفي هذا الرأي أصداء واضحة لآراء خلفه السابق كوفي عنان. والذي لا يزال مجهولاً في هذا التصريح، ما إذا كان "بان" يعبر عن آرائه الشخصية، أم أنه يتحدث وفقاً لما هو متفق عليه داخل أمانة المنظمة، فيما يتعلق بالنظر إلى أزمات الشرق الأوسط. ولكن يبقى من الصعوبة بمكان، القول إن في الإمكان وقف المساعي الجارية لتقويض الحكومة الديمقراطية المنتخبة في لبنان، وتوقع إحراز تقدم في بسط الأمن والاستقرار في العراق، بمجرد تسوية النزاع الإسرائيلي- الفلسطيني. بل ربما يكون في هذا التصريح، ما يشف عن نوايا "بان" المستقبلية فيما يتعلق بخطط منظمته الشرق أوسطية، بما فيها عضويتها في "الرباعية الدولية". وفي هذا ما يلزم تعاونه مع بقية أعضاء "الرباعية" في تصحيح سوء التفاهم الذي سينشأ بينهم، جراء تصريحات كهذه. ثالثاً: لقد تمكن "بان" من صنع تاريخ له داخل المنظمة الدولية، وذلك بإعلانه خلال الأسبوع الأول من تسلمه لمهامه فيها، عزمه على إشهار التقرير المالي السنوي للمنظمة الدولية. وبينما تلاحظ تهرب الأمين العام السابق المتكرر، من إشهار مالي كهذا، فإن في هذا العزم، ما يكشف عن إصرار "بان" على استعادة الثقة والهيبة للأمم المتحدة. ويقيناً فإن الشفافية هي أساس المسؤولية والمحاسبة. وإن الأمين العام للأمم المتحدة، لهو الشخصية المؤهلة والأكثر قدرة على تقديم القدوة والمثل بالفعل والسلوك. وهذا ما عقد "بان" العزم عليه. وبهذا نصل أخيراً إلى القضية الرابعة، المرتبطة بالثالثة، والمتمثلة في اتخاذ "بان" قراراً شجاعاً بدعوة كبار موظفي الأمانة العامة لتقديم استقالاتهم، مع العلم أن عددهم الكلي يبلغ 60 موظفاً. وهذا هو التغيير الذي طالما ألحت عليه الولايات المتحدة بوجه خاص، لكونه يؤكد أن هذه الوظائف ليست موروثة من قبل الأفراد ولا الدول التي يمثلونها. وإنه لمن الأهمية بمكان أن تجري المنظمة مثل هذه الإصلاحات داخلها، حتى يتأكد للجميع أن هناك إدارة وقيادة جديدة تتخذ موقعها داخلها الآن. أما على صعيد التعيينات، فهو لم يتخذ بعد من القرارات ما يكفي للحكم على مدى نجاحه في اختيار الفريق الصحيح والملائم لأداء عمل المنظمة، والنهوض بدورها المرجو منها. وهذا ما سوف تراقبه الولايات المتحدة من جانبها عن كثب بالطبع. ولكن تظل هذه القضايا الأربع، منفردة أو مجتمعة، عاجزة عن كشف القصة الكاملة التي يخبئها للعالم "بان كي مون"، خاصة ما إذا كان يهتدي بحدسه، أم يسير على ذات النهج الذي سارت عليه المنظمة من قبل. وهذا ما ستكشف عنه الأيام وحدها. جون آر. بولتون ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ زميل رئيسي بمعهد "أميركان إنتربرايز" وسفير واشنطن في الأمم المتحد خلال الفترة من أغسطس 2005 إلى ديسمبر 2006 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"