وصف الكاتب الليبي الراحل "الصادق النيهومي" أنظمة الحكم في العالم العربي بأنها إقطاعيات مسلحة. وفي الإنترنت الآن نطالع طوفاناً من الفتاوى عن صدام: هل مات موحِداً بعد أن نطق الشهادتين؟ أم وثنياً يعبد أصنام "البعث" الثلاثة: اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى؟ إن الثالوث "البعثي" المقدس (الوحدة والحرية والاشتراكية)، يشبه مركب الأقانيم الغامض، عند الكنيسة الكاثوليكية؛ فتحت اسم المسيح تحول المعلم البسيط، إلى رب يخلق السموات السبع، كما حصل في العراق، فتحت شعار الثالوث البعثي المقدس، أصبح الرفيق القائد؛ يحيي ويميت، يضع ويرفع، يعز ويذل..! هذا يحكي غرامنا السقيم بالكلمات؛ فيكسب القاموس الكلمات الميتة، ويخسر الواقع والحقيقة؛ فتحت كلمة "الوحدة" مشينا باتجاه التقسيم الطائفي. وتحت كلمة "الحرية"، طارت كل حرية، في فم تنين الأجهزة الأمنية التسعة عشر. وتحت كلمة الاشتراكية، تحول نظام الحكم إلى عصابة مافيوية؟! ليست مافيا داخل الحكم، كما كتبت مجلة "ديرشبيجل" الألمانية، بل نظام الحكم كله تحول إلى مافيا دموية، مسلحة حتى الأسنان. وفي العراق يتوقع بوش أن يكون عام 2007 عاماً دموياً. وهناك من سما العراق "العراق سابقاً"! فلم يعد عراق وعراقيون. والكاتب اليميني "توماس فريدمان" يتوقع بشماتة، ثلاثة مخارج للحرب الأهلية في العراق: نموذج مذبحة "بارتولوميوس" في باريس، في القرن السادس عشر، بالذبح والتهجير، كما جرى للبروتستانت الهوجونوت على يد الكاثوليك، حين مزقوهم شر ممزق، وراقصوا جثث النساء العارية، وامتلأ نهر السين بأجساد الأموات البؤساء. أو أن يتم إنشاء سور بغداد، كما جرى الحال في جدار برلين، وحائط شارون في فلسطين، وسور "هادريان" في الحافة الغربية لبريطانيا، أيام الرومان. أما المخرج الثالث فهو حكم العراق بيد صدامية جديدة. وما يجري في العراق وباء يهدد كل المنطقة بطوفان من المذابح الطائفية والمذهبية، وحسب أحدث التحليلات التي أوردتها مجلة "ديرشبيجل"، فإن هناك احتمال اندلاع حرب إقليمية، وهي جادة فيما تقول، وقد علمت منها خبر غزو العراق للكويت، قبل حصوله، حينما كتبت تحت نبأ صغير، مع استعراض للقوات العراقية في وضع التدريب، "هل العراق في طريقه لابتلاع الكويت؟". بعد أن سبح العرب طويلاً في أجواء الشعارات "البعثية" لصدام حسين، يتحول زورقهم المنكوب، إلى مستنقع المذابح الدينية، باسم الله والصليب، وعلي والحسين والحاكم بأمر الله الفاطمي... خلال رحلة انقلاب في محاور الزمن، وانتكاساً إلى العصور الوسطى. هكذا فبدل دخول الحداثة، ينتكس العرب على وجوههم، عمياً وبكماً وصماً، مأواهم نار الطائفية، كلما خبت زاد اشتعالها. وإذا كان صدام حسين قد حول "البعث" العراقي إلى ماكينة للعبادة الشخصية، بتجنيد المرتزقة والعشيرة، فقد فعل غيره أيضاً في جمهوريات الخوف الأخرى بتجنيد الطائفة وعصابة الأزلام كماكينة للعبادة الفردية. دخلت مستوصفاً ذات يوم، فرأيت 17 صورة للثالوث المقدس، الآب والابن والروح القدس، كإحياء لمركب الأقانيم في ديار تزعم أنها إسلامية. ووضْع العرب هذه الأيام يذكر بدول الطوائف في الأندلس، أو جو الفرق المذهبية قديماً، بين "معتزلة" و"شيعة" و"خوارج" و"مرجئة" و"قدرية"، في خمس شعب لا ظليل ولا تغني من اللهب. أما الشيعة فقد رفعوا من قدر علي وذريته، وزعموا أن القمر نزل في حضنه، وأن في دمه كريات حمر مختلفة مقدسة. بينما كفر الخوارج كل من سواهم ومارسوا بحقه القتل. أما المرجئة فهم أولئك السياسيون الذين يرون أن الله يغفر الذنوب جميعاً، ولو قتل القاتل أمة من الناس، يكفي أن ينطق بكلمة التوبة! فيما قال القدرية بالحرية الإنسانية المطلقة، وبسبب ذلك ذبح الجعد بن درهم. أما المعتزلة فحاولوا تحريك العقل، في وسط يموت، فماتوا مع الأموات، إلى يوم الدين... واليوم تنهض هذه المذاهب بكل أمراضها وعيوبها، من التوابيت وترجع إلى الحياة، ونحن مذهولون من هذه الرؤية غير المتوقعة، لجثث تدب فيها الحياة... ونقول يا ويلنا من بعثهم من مرقدهم؟