عندما يقوم وزير خارجية أميركي بزيارة إلى الشرق الأوسط فإن أعين المراقبين تتجه إلى الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي. لكن زيارة كوندليزا رايس هذه المرة إلى المنطقة خلال نهاية الأسبوع الأخير أظهرت أنه لا موضوع يهيمن على أجندتها الدولية مثلما يهيمن موضوع الطموحات النووية الإيرانية والأزمة المحيطة بها. هذا الاهتمام الأميركي والعالمي بالموضوع الإيراني بلغ ذروته مع التقرير الذي نشرته صحيفة "صاندي تايمز"، إحدى الصحف الكبرى في بريطانيا تشير فيه إلى استعدادات تقوم بها إسرائيل لشن هجوم بالأسلحة التقليدية على إيران بهدف تدمير ما لديها من منشآت تخصيب اليورانيوم. واللافت أن كوندليزا رايس عندما سئلت لاحقاً في لقاء مع التلفزيون الإسرائيلي عما إذا كانت الولايات المتحدة ستدعم إسرائيل في حال إقدامها على مهاجمة إيران لم يأتِ جواب "رايس" مهدئاً للخواطر ولا مستبعداً تماماً لمثل هذا الخيار. واكتفت "رايس" بالإشارة إلى أن الحديث المتصاعد عن مواجهة عسكرية يدل على مدى خطورة الوضع الذي وصلته العلاقة مع إيران، قائلة "إني لا زلت أعتقد بأن هناك مجالا للدبلوماسية، لكن مجرد الحديث عن تحرك عسكري يظهر خطورة إصرار إيران على مواصلة طريقها الحالي". ورغم أن المسؤولين الإسرائيليين سارعوا إلى نفي ما جاء في تقرير الصحيفة البريطانية، فإنهم أكدوا انتظارهم لعملية دبلوماسية مكثفة إذا ما فشلت إيران في الالتزام بقرار الأمم المتحدة القاضي بضرورة تعليق إيران لأنشطتها النووية بعد شهرين من صدور القرار. وفي هذا الإطار يقول "مارك ريجيف"، المتحدث باسم وزارة الخارجية الإسرائيلية "إن إسرائيل تساند كلياً قرار مجلس الأمن 1737 الذي يمنح إيران ستين يوماً للاستجابة، أي إلى غاية منتصف شهر فبراير المقبل. وإذا رفضت إيران الامتثال للقرار الأممي، فإننا نحتاج إلى دبلوماسية أكثر قوة". غير أن "ريجيف" لا يتوقع أن يتم إيجاد مخرج للأزمة مع انتهاء المهلة قائلاً "نحن على يقين بأن هناك خطوات أخرى ستكون ضرورية. فمن المهم أن تفهم القيادة الإيرانية جيدا أنها أمام خيار واضح: إما وقف برنامجها النووي، أو تهديد علاقتها مع باقي العالم". وتأتي زيارة "رايس" إلى منطقة الشرق الأوسط في وقت ينصب فيه اهتمام المراكز البحثية على إيران، وتثار فيه أسئلة عادة ما كانت تنحصر في أروقة أجهزة الاستخبارات الأميركية. ولعل أهم تلك الأسئلة ما إذا كانت إسرائيل ستقوم بتكرار تجربتها السابقة في تدمير المفاعل النووي العراقي قبل ربع قرن من الزمن مع إيران، وما إذا كان يحق لها أصلا ذلك. ويكتسي الموضوع الإيراني أبعاداً أخرى في ظل تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي الأخيرة في ألمانيا، التي خرج فيها عن أحد "التابوهات" المعروفة في إسرائيل بإعلانه أن هدف إيران هو "امتلاك الأسلحة النووية مثل الولايات المتحدة وفرنسا وإسرائيل وروسيا". ورغم أن المسؤولين الإسرائيليين أكدوا أن التصريح زلة لسان، فإن الواقع يشير إلى ابتعاد إسرائيل عن سياسة الغموض بشأن ترسانتها النووية التي كانت تنتهجها في السابق. ويرى بعض الخبراء الإسرائيليين في الاهتمام العالمي بملف إيران النووي إشارة إيجابية على أن الموضوع لن يمر دون تحرك دولي. وفي هذا الصدد يرى "إيلادو برادو"، خبير في الشؤون الإيرانية في الجامعة العبرية بالقدس أن الاهتمام العالمي يفتح المجال أمام المزيد من التحرك الدبلوماسي، موضحاً نظرته بقوله "إذا ما اتحد العالم ومارس ضغوطاً شديدة على إيران، فإن ذلك قد يحملها على تغيير مسارها. لكن حتى في حالة إصرار إيران لا أعتقد أن إسرائيل ستقوم بتحرك عسكري من أي نوع، إذ يبدو أن مواجهة عسكرية قد تكون أكثر احتمالا مع الولايات المتحدة". ورغم القلق الذي يمثله الملف النووي الإيراني بالنسبة للعالم بأسره بفعل تأثيراته السلبية على منطقة حساسة تعد شريان الاقتصاد العالمي، تجد إسرائيل نفسها المعنية الأولى بما يجري في إيران. والسبب هو التصريحات العدائية التي تلفظ بها الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد ضد إسرائيل، فضلا عن الصلات التي يعتقد المسؤولون الإسرائيليون بوجودها بين إيران و"حزب الله" في لبنان، وبين طهران وحركة "حماس" في الأراضي الفلسطينية. وتخشى إسرائيل من أن الانخراط في تحرك دبلوماسي موسع قد يعطي المزيد من الوقت لإيران كي تطور من قدراتها وتتغلب على المصاعب التقنية لتصبح في النهاية قادرة على إنتاج القنبلة النووية. وبعبارة أخرى إذا لم يتم وقف البرنامج النووي الإيراني اليوم، فإنه من الصعب إيقافه في المستقبل، وهو ما دفع "زفي شتوبر"، مدير "معهد الدراسات الوطنية الاستراتيجية" في جامعة تل أبيب إلى التساؤل عما إذا كانت إسرائيل ستجد نفسها في الأخير أمام مواجهة عسكرية لا مفر منها مع إيران. ويضيف الدكتور "شتوبر" أن الموضوع يختصر في "هل ستلجأ إسرائيل لعملية عسكرية ضد إيران، أم لا؟، ولحد الآن تبدو جميع الاحتمالات ممكنة، مادام الحوار المباشر مع الإيرانيين غائبا". ويقول "إفرايم كام"، نائب مدير المعهد سابق الذكر: "في الوقت الراهن يجب أن تُعطى الأولوية للعمل الدبلوماسي المكثف، لكن إسرائيل تحتفظ بحق استخدام القوة العسكرية خلال السنوات المقبلة إذا لمست تهديداً حقيقياً لبرنامج إيران النووي على أمنها القومي". ويسعى المسؤولون الأميركيون إلى تحسين صورة واشنطن في المنطقة من خلال إنعاش عملية السلام بين الفلسطينيين وإسرائيل وذلك لضمان تأييد دول المنطقة للضغوط التي تمارسها الولايات المتحدة على إيران. لين بروشر ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محرر الشؤون الخارجية في "كريستيان ساينس مونيتور" ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"