يوم الأحد الماضي، حصل وزير الداخلية الفرنسي "نيكولا ساركوزي" -بأغلبية ساحقة- على تزكية حزبه الحاكم للترشح في الانتخابات الرئاسية المقبلة في أبريل، متعهداً بفرض القانون، واحترام التقاليد والأخلاق في الحياة العامة، وحث الفرنسيين على العمل أكثر وأطول. وقد سعى ساركوزي في خطاب دام ثمانين دقيقة بقاعة مؤتمرات احتضنت نحو 80000 من المؤيدين والأنصار إلى التخلص من صورة فارض النظام والقانون الذي لا يرحم الملتصقة به، مقدماً نفسه على أنه رجل رحيم، حيث قال من على منبر خشبي فسيح تظهر على خلفيته ألوان العلم الفرنسي الثلاثة: "لقد أدركت أن الإنسانية قوة، وليست ضعفاً"، مضيفاً "لقد تغيرت". وكان من الواضح أن رسالته ترمي إلى خطب ود الناخبين في "اليمين" الفرنسي، ربما أكثر حتى من أولئك في "وسط " أو "يسار" الطيف السياسي الفرنسي، والذين يمكن أن يؤيدوا منافسته الرئيسية، المرشحة الاشتراكية "سيجولين رويال"؛ حيث قال "ساركوزي" البالغ من العمر 51 عاماً "إن قيمي هي قيمكم، إنها قيم الجمهورية، قيم العدالة والنظام والجدارة والعمل والمسؤولية"، مشدداً في الوقت نفسه على أنه ليس "محافظاً"، وداعٍ إلى التجديد ومحاربة اللامساواة. كما أشار "ساركوزي" إلى الصور التقليدية لتاريخ فرنسا مثل الحروب الصليبية وعصر التنوير والكاتدرائيات و"جان دارك"، غير أنه لم يقل إلا القليل مما قد يستحسنه ملايين المسلمين الفرنسيين. فبالرغم من النموذج الجمهوري الفرنسي الذي يتغاضى عن الاختلافات الدينية والعرقية، فإن "ساركوزي" أحدث قطيعة مع التقليد حين أشار إلى الفرنسيين باعتبارهم "ورثة 2000 عام من المسيحية". وفي إشارة مبطنة إلى مسلمي فرنسا الذين يقاومون النموذج الفرنسي القائم على الاندماج، قال إنه من غير المقبول أن "يرغب المرء في العيش في فرنسا من دون أن يحترم فرنسا ويحبها ويتعلم اللغة الفرنسية"، متعهداً بالعمل على فرض احترام القوانين الفرنسية بخصوص تعدد الزوجات في حال انتُخب رئيساً للجمهورية. وقد عقد "ساركوزي" مقارنة بين ما وصفه بـ"الجمهورية الافتراضية" لخصومه مع "الجمهورية الحقيقية" التي يرغب في خلقها قائلاً إن الجمهورية الافتراضية "تدلل الناس كثيراً، ولكنها تترك بعضهم يموتون على الأرصفة" وتمنح المُضرِبين القوة وتلتمس الأعذار للمنحرفين؛ في حين –يضيف ساركوزي- أن الجمهورية الحقيقية "تخلق مناصب العمل، وتبني المنازل، وتتيح للناس فرص كسب العيش، وتمنح فرصة للأطفال الفقراء"، و"تجعل الجميع يحترم القانون". كما اعتبر أن نظام المزايا الاجتماعية المجزي في أزمة على اعتبار أنه لا يحث الناس على العمل طويلاً وبجد قائلاً: "إن المشكلة تكمن في أن فرنسا تعمل أقل في وقت يعمل فيه الآخرون أكثر"، مضيفاً "علينا أن نحب العمل وألا نكرهه". "ساركوزي" أشار أيضاً إلى أصوله المهاجرة، واصفاً نفسه بـ"الفرنسي الصغير ذي الأصول المختلطة". ومما يذكر هنا أن والد "ساركوزي" أرستقراطي هنغاري، في حين أن والدته نصف يهودية. ومما لاشك فيه أن خطاب "ساركوزي" سيكون محط انتقادات خصومه السياسيين على اعتبار أنه لم يسع إلى التصالح مع الجالية المسلمة الكبيرة في فرنسا والمهاجرين وشباب ضواحي المدن الفرنسية والعمال. وفي هذا السياق، يقول "دومينيك رينيي"، أستاذ العلوم السياسية بمعهد الدراسات السياسية في باريس: "لقد كان أداءً إيديولوجياً وصدامياً هدفه استمالة اليمين"، مضيفاً "لقد وقف ساركوزي موقفاً أكثر يمينية من شيراك أو ديستان أو بومبيدو. وعليه، فإن مواقفه المتشددة لن تخلق سوى المزيد من الانقسامات في بلادنا". وإذا كانت المرشحة الاشتراكية للانتخابات الرئاسية "سيجولين رويال" قد امتنعت عن التعليق على ترشح "ساركوزي"؛ فإن المتحدث باسم الحزب الاشتراكي "جيليان دري"، صرّح بأن خطاب مرشح اليمين "مقلق للغاية" بالنسبة للفرنسيين، وبأنه يعكس عودة "اليمين الفرنسي العنيف". والواقع أن فوز "ساركوزي" بترشيح حزبه لم يكن في أي وقت من الأوقات موضوع شك بالرغم من غياب دعم الرئيس جاك شيراك وبعض المسؤولين الكبار في الحكومة له. فقد أحكم "ساركوزي"، الذي يعد أيضاً زعيم الحزب الذي ينتمي إليه شيراك، "الاتحاد من أجل الحركة الشعبية"، قبضته على أجهزة الحزب فكان المترشح الوحيد؛ وقد فاز بـ98.1 في المئة من الأصوات بعد مشاركة نحو 70 في المئة من أعضاء الحزب المسجلين. غير أن انتصار "ساركوزي" السياسي يوم الأحد تأثر مع ذلك بانقسامٍ داخل حزبه كان يهدد بحرمانه من تأييد كبير في مواجهة كل من "رويال" و"الجبهة الوطنية" اليمينية المتطرفة في انتخابات هذا الربيع. ذلك أن شيراك وساركوزي لم يخفيا توجسهما وكرههما المتبادل؛ ونتيجة لذلك، يرى بعض مؤيدي "ساركوزي" أن شيراك سيلعب دور المخرب ويفعل ما في وسعه لمنع وصول "ساركوزي" لرئاسة الجمهورية. والأسبوع الماضي، قال شيراك، الذي يبلغ 74 عاماً ويوجد في السلطة منذ 12 عاماً، إنه لا يستبعد الترشح لولاية ثالثة كمستقل. ومما يذكر هنا أن شيراك لم يحضر حفل ترشح "ساركوزي" يوم الأحد. ومن جانبهما، امتنع رئيس الوزراء "دومينيك دوفيلبان" ورئيس الجمعية العامة "جون لوي ديبري"، وكلاهما من الموالين لشيراك، حتى الآن عن دعم ترشح "ساركوزي"؛ إلا أن هذا الأخير فاز بدعم رئيسيْ وزراء سابقين في عهد شيراك هما "ألان جيبي" و"جان بيير رافاران". كما أعربت وزيرة الدفاع "ميشيل أليو ماري"، التي كانت تفكر في الترشح هي نفسها، عن دعمها لساركوزي يوم الجمعة. وكان معهد "إيفوب" لاستطلاعات الرأي أعلن قبل أسبوع أن 81 في المئة من الناخبين الفرنسيين قالوا إنهم لا يرغبون في أن يترشح شيراك للانتخابات المقبلة، معربين عن قلقهم من أن يتسبب ذلك في انقسام في وسط "اليمين" الفرنسي في الجولة الأولى من الانتخابات في أبريل. كما أوضحت استطلاعات الرأي الأخرى أن "ساركوزي" هو المرشح الوحيد القادر على التغلب على "رويال". وفي هذا الإطار، توقعت نتائج استطلاع للرأي أجرته مؤسسة "إيبسوس" وأُعلنت نتائجه الأسبوع الماضي أن يكون المرشحان متقاربين جداً في حال تواجها في جولة ثانية من التصويت في مايو المقبل. إيلين سيولينو مراسلة "نيويورك تايمز" في باريس ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز"