لا تستحق خطة الرئيس الأميركي جورج بوش، والتي أعلنها يوم الحادي عشر من هذا الشهر، لتصحيح مسار السياسة الأميركية في العراق، مجرد التعليق عليها، فالرجل لا يبدو مكترثاً بأي شيء يفترض أنه يؤثر على عملية صنع القرار في دولة ينظر إليها كنموذج للديمقراطية. إنه لا يأبه للرأي العام الذي أحدث تغييراً جذرياً في الخريطة السياسية للكونجرس الأميركي في انتخابات التجديد النصفي الأخيرة من أغلبية "جمهورية" إلى أغلبية "ديمقراطية"، وهو لا يلقي بالاً لمجموعة نخبوية قريبة منه كلفها بدراسة الوضع في العراق لاقتراح مخرج من مأزقه فخرجت له بتقرير ذي صدقية عالية، وهو يضرب عرض الحائط بصحافته التي تزخر بالمواقف المنتقدة لسياسته بل والساخرة منها منذ بدا التعثر واضحاً في تلك السياسة بعد احتلال العراق بقليل، وهو أيضاً لا يقيم وزناً لأقرب حلفائه، بريطانيا التي تزمع سحب ثلاثة آلاف من قواتها في العراق بينما يفكر هو في زيادة عدد قواته..! ماذا يمكن أن يقول المرء في هذه الخطة بعد أن شهد شهود من أهلها؟! فالسيناتور "الجمهوري" البارز "تشاك هاغل" يصفها بأنها أسوأ خطأ في السياسة الخارجية الأميركية منذ حرب فيتنام، والسيناتورة الديمقراطية "باربرة ميكولسكي" تعلق قائلة: "نحن في حفرة في العراق، والرئيس يقول إن المخرج أن تحفر أكثر"، و"الواشنطن بوست" تقول إن "الخطة محفوفة بالمخاطر، ومن شأنها أن تؤدي إلى ارتفاع كبير في عدد الضحايا"، كذلك تصفها "لوس أنجلوس تايمز" كواجب مدرسي تأخر تقديمه. لا يستطيع بوش ورجاله أن يفهموا أن السبب الأصيل لكل ما يجري في العراق هو الاحتلال، فالإخفاق الأميركي الراهن يعود من وجهة نظرهم إلى نقص في القوات وزيادة في القيود عليها، ومن ثم فعلاج هذه الأسباب من شأنه أن يقضي على الإخفاق، وبفرض أن هذه الرؤية العقيمة صحيحة فليس من المفهوم كيف تحل المعضلة بزيادة عدد القوات بنسبة لا تتجاوز 15%، في بلد بمساحة العراق وعدد سكانه وتعقد تركيبته وطبيعة المشكلات التي أوجدها احتلاله! إن خطة بوش مجرد أفكار بالية بليدة تتجاهل حقيقة أن العراق، رغم كل ما عانى منه في ظل النظام السابق على الاحتلال، شهد ظواهر جديدة في ظل هذا الاحتلال وبسببه؛ كالتفكك الوطني وعدم الاستقرار والعنف الطائفي ناهيك عن التردي الاقتصادي. دعونا إذن نجرب وصفة للعراق يخرج فيها الاحتلال، ليس كي يسلمه للفوضى كما يحاولون إخافتنا، ولكن في ظل خطة جادة تستبدل بقوات الاحتلال قوات دولية ذات صدقية عالية، وتعالوا بنا بعد ذلك نشاهد ما سيكون عليه الحال بعد أن تختفي الميليشيات الطائفية التي هي جزء من الحكومة الحالية في بغداد، وتختفي معها كل عناصر الإرهاب، لتقود العناصر العراقية الوطنية، بألوانها العرقية والمذهبية... مع ذلك فالخطة وإن كانت لا تستحق تعليقاً في ذاتها فإن دلالاتها جديرة بوقفة تأمل وتبصر. أول هذه الدلالات ما كشفت عنه الخطة ذاتها من بؤس عملية صنع القرار في السياسة الأميركية الراهنة، وإن كانت لجنون بوش سوابقه من حرب فيتنام حين قرر نيكسون الخروج من مأزقه آنذاك بالتصعيد في كمبوديا! فمتى يكون القرار رشيداً إذا لم يكن كذلك في ظل شفافية سياسية يعتد بها، ورأي عام له موقفه الواضح من الحرب، وإعلام لا يترك صغيرة أو كبيرة في هذه الحرب إلا وناقشها، ونخبة مستنيرة قادرة على أن ترى الخطر وترتاد آفاقاً لمواجهته بعيداً عن السلطة الحاكمة، ورأي عالمي ضج بالشكاوى من تداعيات الحرب على العراق واحتلاله. كنا في السابق نسخر من السمات التي تكشف عن تخلف عملية صنع القرار في بلدان العالم الثالث، فإذا بالرئيس بوش يجعل الولايات المتحدة، من هذا المنظور، دولة من الدرجة الثالثة، من حقنا أن نخشى من تداعيات قراراتها علينا طالما أن هذه القرارات لا تتصف بأدنى درجات الرشادة. أما الدلالة الثانية التي تتعلق بمستقبل نوايا الإدارة الأميركية تجاه حكومة نوري المالكي، والتي لم يثبت إخفاقها في أداء مهامها فحسب وإنما تأكد اختراقها من قبل الميليشيات الطائفية (إن لم يكن تواطؤها مع هذه المليشيات)، فقد تضمن الخطاب الذي أعلن فيه بوش خطته، بالإضافة إلى تصريحات لاحقة لوزيرة خارجيته وعدد من كبار المسؤولين الأميركيين... انتقادات لاذعة وتهديدات مبطنة لتلك الحكومة لأنها لم تضطلع بالدور المطلوب منها حتى الآن، وأن ثمة حدوداً لصبر "الشعب العراقي"(!) والشعب الأميركي عليها، ومن ثم فالالتزام الأميركي إزاءها ليس بلا نهاية، فما هي النوايا الأميركية الجديدة تجاه هذه الحكومة التي لا يتوقع لها أن تكون قادرة بحال على الاستجابة للمعايير التي تطلبها واشنطن؟ هل يتخلى الأميركيون عنها، بعد أن تغنوا كثيراً بالديمقراطية "اليافعة" التي أتت بها إلى الحكم؟ وماذا ينوون فعله إذا تخلوا عنها؟ هل يدبرون "لعبة ديمقراطية" أخرى فاشلة للعراق، طالما أن التركيبة الراهنة للاحتلال والقوى المتعاونة معه، لا يمكن أن تفرز إلا حكومة كهذه؟ ترتبط الدلالة الثالثة بالأثر المحتمل لهذه الخطة على الموقف العربي، إذ لم ينسَ الرئيس الأميركي في غمرة ورطته، مفرداته الإملائية تجاه الدول العربية: "إن السعودية ومصر والأردن ودول الخليج عليها أن تفهم أن هزيمة أميركا في العراق ستخلق ملاذاً جديداً للمتطرفين وخطراً استراتيجياً على بقائها". هكذا يتعين على العرب الذين تعاملوا بإيجابية مع "العملية السياسية" التي دشنتها قوات بوش في العراق أن يلقوا أيضاً بثقلهم وراء سياسة فاشلة، وإلا تعرض بقاؤهم للتهديد! أي خزعبلات إذن تنطوي عليها كلمات كهذه؟ إن الناس يقفزون من السفن التي توشك على الغرق ولا يسارعون إلى ركوبها، فكيف يجرؤ بوش على أن يوجه نظاماً عربياً مهما كانت صداقته مع واشنطن إلى تأييد خطة حكمت عليها الساحة السياسية الأميركية بالفشل قبل أن تبدأ؟ يجب التحذير من أن تؤدي التحركات الدبلوماسية الأميركية الراهنة إلى مزيد من تشقق الصفوف العربية وإعطاء الانطباع بأن هناك تحالفاً مصرياً –أردنياً -خليجياً يظاهر السياسة الأميركية. وأخيراً وليس آخراً ثمة دلالة تثير الإشفاق، وإن كانت تتسق مع الفكر الذي بنيت عليه خطة بوش عامة، إذ لما كانت الخطة لا ترى عيباً في الاحتلال وإنما في "التقصير فيه"، فمن المنطقي أن يفعل بوش ما نُتَهم نحن العرب كثيراً بفعله وهو إلقاء اللوم على الآخرين؛ فسوريا وإيران سبب أصيل لفشله في العراق لأنهما تسمحان بدخول الإرهابيين وخروجهم ودعمهم، ومن ثم فإن خطته رفضت الحوار معهما، ولوحت بما فُهم وكأنه استعداد لضربهما، إذ تضمن خطاب بوش إشارة إلى "الاهتمام" بسوريا وإيران لأن نظاميهما "يسمحان للإرهابيين والمتمردين باستخدام أراضي بلديهما لدخول العراق والخروج منه، وإيران تقدم مساندة مادية للهجمات على القوات الأميركية. سنوقف الهجمات على قواتنا، وسنوقف تدفق الدعم من إيران وسوريا، وسنكشف الشبكات التي تقدم الأسلحة المتطورة وتدرب أعداءنا في العراق وندمرها". المعنى واضح، وهو التلميح بضرب سوريا وإيران، لذلك اضطر وزير دفاع بوش إلى نفيه، مع أن النفي يحمل مؤشر رشد إلا أنه في الوقت نفسه يشير إلى أن الرئيس يقول كلاماً لا معنى له! لم يعد العراق إذن بحاجة إلى بوش وإدارته، كما هو واضح، بل قد يكون بحاجة إلى صحوة عربية ترى في السياسة الأميركية ما يراه الأميركيون أنفسهم، وتتصرف بناء على ذلك! وإن كنا نشك في إمكانية قيام تلك السياسة، فإن الأمل يبقى معلقاً، وقبل كل شيء، على جهود أبناء العراق المخلصين الرافضين للاحتلال وللطائفية والمقاومين لهما، والقادرين بإذن الله على إيجاد المعادلة الصحيحة التي تخلص العراق من هذا الكابوس المفزع.