تختلف درجة التفاؤل والتشاؤم في كل منطقة وفق اتساع أو ضيق المدركات الجزئية أو الكلية. وينطبق ذلك تماماً عند النظر للواقع "الأفريقي" و"العربي"، خاصة طوال عام 2006. فثمة تفاؤل على المستوى "الأفريقي" من درجة الإحساس بالاستقرار في عدد من دول القارة "جنوب الصحراء" بالتوقف -ولو المؤقت- لبؤر التوتر العرقي أو الصراع المسلح في غرب القارة ومنطقة البحيرات. وهناك الإحساس بالاستقرار من تعدد نجاح العملية الديمقراطية في عدد كبير في أنحاء القارة بإجراء الانتخابات العامة والوعد بتداول السلطة، في الكونغو ورواندا وبوروندي وليبيريا... الخ. وهناك استقرار لإجراءات التنمية في موزمبيق وأنجولا، وهناك بعض الحيوية -المنقوصة طبعاً- في دور بعض التجمعات الإقليمية والاتحاد الأفريقي نفسه، وهناك تنشيط وحيوية للعلاقات الأفريقية مع كتل جديدة صاعدة بدورها الاقتصادي مثل الصين واليابان... ومعنى ذلك عند الذين يريدون أن يبعثوا بروح التفاؤل على الصعيد الأفريقي أن ثمة عناوين يمكن تعميقها في المستقبل القريب. ويبدو الحال عكس ذلك إلى حد كبير عندما ننظر في "الواقع العربي" منفصلاً بدوره. ولن يحتاج القارئ إلى جهد في رصد ما يجري في العراق وفلسطين والخليج- من جهة، ليتجه مباشرة إلى منطقة الهامش في الاهتمام العربي؛ في السودان والصومال والصحراء الكبرى عموماً، وعندئذ سترتفع درجة همومه، حينما يدرك درجة حصار العرب القادم من هذه المناطق، بل وتصور "العرب" كمصدر للكوارث الأفريقية عند الكثيرين كلما وددنا أن نرفع كلمة "جنوب الصحراء" من قاموس العلاقات العربية- الأفريقية. ويستحضر الكثيرون هنا الواقع الكارثي الذي تسببه أزمة "دارفور" في قلب الصحراء الكبرى الأفريقية العربية، وأزمة الصومال في القرن الأفريقي "الكبير" -وفق خريطة سياسية أميركية معينة، وأزمة جنوب السودان في قلب حوض النيل ومنابعه. ومنذ قليل كانت هناك أزمة جزر القمر في المحيط الهندي. المغرضون في دراسات وأوراق "الجماعة الثقافية الأفريقية" يشيرون إلى انعكاس الأزمة المتصاعدة داخل هذه الصراعات بين "الأفريقية" و"العروبة"، ويضيفون حالياً البعد الإسلامي إلى كفة العروبة، ومن هذه "الانحرافة" في التفسير يرجون أن يرحمهم العرب بإعفائهم من مشاكلهم التي عوقت أصلاً التعاون العربي- الأفريقي، ملمحين إلى أنه بينما كان يمكن التفاؤل بترتيبات جديدة للعودة لعقد مؤتمر القمة العربي- الأفريقي الثاني عام 2007 (الأول عُقد عام 1977)، فإن مشاكل العروبة مع "الأفريقانية"، تتزايد على مساحة كبيرة من أرض القارة الأفريقية على نحو ما كشفته أكثر وأكثر أحداث عام 2006! في مناقشة حديثة لفت أحدهم نظري إلى بعض الظواهر المقلقة للطرفين معاً بينما يجرى التركيز على وضعها موضع التصارع العربي- الأفريقي، لأن ما أشار إليه لا يمكن تفسيره فقط من زاوية عربية أو أفريقية منفصلة: أشار مثلاً لموضوع الهجرة السرية أو العلنية لقوى بشرية من الطرفين إلى أوروبا عبر المتوسط، وخاصة من دول المغرب العربي، أي الشمال الأفريقي. ولا يجرى هنا أي فصل بين المجموعتين في تفسير هذه الأزمة الإنسانية- الاجتماعية الطاحنة. ويقتضي ذلك أن تكون الاتفاقات حول قواعد الهجرة العربية الأفريقية مع أوروبا ذات أولوية في أية اجتماعات قمة مشتركة بعناوين ثنائية أو ثلاثية، وهذا لا يحدث بقدر ما تثار كاضطهاد عربي للأفارقة!.. والموقف قريب من ذلك عندما نشير إلى مشكلة دارفور والصومال. فالمعالجة العربية تبدو مدافعة فقط عن السودان كدولة عربية -ولنتأمل موقف مصر بل وأمانة جامعة الدول العربية نفسها، بينما يقف الموقف الأفريقي وراء الحملات "الإنسانية" من جهة، ويطالب بحلول اجتماعية كتلك التي سادت عند حل أزمة رواندا وبوروندي من جهة أخرى. لكن الموقف العربي، يظل واقفاً عند نظرية "انصرْ أخاك"، والملفت هنا أن كافة الأطراف تتوقف في النهاية عند التسليم لـ"الفاعل الأجنبي". بحسم الموقف، كما أن النظام السوداني يسلم بعد تردداته المتكررة بهذا "التدخل الأجنبي"، وثمة ارتباك قريب من هذا تجاه الصومال من قبل الدول العربية، مقابل تعصب أفريقي كامن لصالح "التدخل الإثيوبي" بسبب أنه تدخل أفريقي في دولة عربية! مع أن النتيجة واضحة في أنه اختراق "أجنبي" للقرن الأفريقي لصالح مشروع "أجنبي" في كل الأحوال. وإلى جانب ذلك يسجل الجانب الأفريقي نجاح "إثيوبيا" في تأكيد نفسها كقوة إقليمية، بينما لم يتوفر ذلك لأية دولة عربية. والوضع لا يبعد عن ذلك في أحداث 2006 بالنسبة لـ"جنوب الوادي" أو جنوب السودان، سواء في خطورة عدم نجاح اتفاقية "نيفاشا" أو تدخل الشأن الأوغندي مع الشأن السوداني، بما يهدد بدوره بظهور ثنائية عربي/ أفريقي عندما تلجأ أوغندا أو إريتريا لتحريك الأدوار بعيداً عن دور عربي ملموس أو قوة إقليمية عربية ذات شأن. وتتعدد القضايا المثيرة للاضطراب في العلاقات العربية- الأفريقية في حصاد 2006 لو نظرنا إلى حالة أفريقيا والمجموعة العربية على مستوى تعامل القوى الخارجية معهما. ففي هذا الحصاد استفادة أفريقية كبرى وواضحة من تطور علاقة الصين أو اليابان بأفريقيا، في مؤتمرات قمة عالمية حول هذه العلاقة سبق الحديث كثيراً عنها، خلال 2006، ويحقق "الفتح الصيني" من ذلك الكثير في تنمية تجارته وميوله "الاقتصادوية" بل ويتسلل وفق تقارير حديثة حتى بتنمية العلاقات العسكرية، وهو ما دفع رئيس جنوب أفريقيا إلى اعتبار بروز الحضور الصيني نوعاً من "سيطرة إمبريالية جديدة"، بينما يراها البعض مكسباً لدعم مواقف أفريقية وقدرة على التحدي للظاهرة الإمبريالية الحقيقية مثلما حدث مع السودان وزيمبابوي على الأقل. وبينما تقفز علاقات مثل هذه خلال عام 2006 لتصل بتجارة الصين مع أفريقيا إلى 39.7 مليار دولار، فإن العرب لا يهتمون إلا بتنمية التجارة مع الولايات المتحدة وخاصة في مجال تجارة السلاح التي وصل توريدها للعرب في السنوات الست الأخيرة إلى 45.8 مليار دولار، ومعنى ذلك أن العرب يبنون قوة عسكرية لصالح "الأجنبي" الذي نتحدث عن رفضه لأنه لم تبرز بين العرب أية قوة للتحدي نتيجة تراكم هذه الأسلحة عندهم، بينما الأفارقة لا يتوفر لهم عملياً أو مالياً تحقيق مثل هذه "الإساءة" للتاريخ المشترك. الملفت من وراء التأمل لهذا الحصاد الأخير، أن الكتلتين -العربية والأفريقية- وقد توفرت لهما فرص الحضور على مستوى دولي لتتحركا فيه بفلسفة جماعية لضمان "المصالح أو "المكانة" بقدر أو بآخر، وبقدر ما يشعر المراقب أن الجانب "الأفريقي" يقوم بدور معقول نسبياً بالحشد والتعبير، في اجتماعات مثل المؤتمر الصيني أو الياباني أو المنتديات الماليزية والإندونيسية، أو المؤتمرات المشتركة مع أميركا الجنوبية، وأن "القوى الإقليمية" الأفريقية تستفيد كثيراً من ظهورها في هذه المحافل، حتى وهي تلعب أحياناً كثيرة لصالح قوى أجنبية أخرى، فإن المجموعة العربية لا يتوفر لها هذا الإحساس بـ"الحركة الجماعية" ولا بنوايا بروز قوى إقليمية ذات شأن بين صفوفها، بل إنها تتجاهل بسهولة معظم هذه المحافل في أوساط الجنوب مكتفية بصراعاتها الداخلية، أو توجيه الصراع العربي خارج مجاله الرئيسي بدلاً من بناء علاقات بين- بين لصالح الضغط المشترك لحل قضاياها الكبرى في فلسطين والخليج أو المشرق العربي على الأقل. من هنا بدا حصاد 2006 إيجابياً على المستوى الأفريقي، ويزداد سوءاً على المستوى العربي. وجاء افتتاح عام 2007 والقوات الأميركية تكثف وجودها في العراق وتطحن الشعب في الصومال، وتفرض نفسها في دارفور، بما لا ينبئ بعام سعيد حتى لملء بعض كروت المعايدات!