كيف نؤمن حصانتنا الوطنية والقومية ؟ المطلوب أولاً ان يكون لدينا هدف واستراتيجية لتحقيقه وآليات عمل وخطط لتنفيذها ومتابعة ومراقبة مراحل التنفيذ كلها ومواكبة لما يمكن ان يستجد من تطورات. والمطلوب ثانياً معرفة التعامل مع ما يطرحه الآخر الذي في سياق بحثه عن حصانته القومية يرمي مجموعة من الخطط والأفكار تستهدف ليس حصانتنا فقط بل وجودنا برمته.
وفي هذا السياق لا يمكن التعاطي مع الأفكار والمشاريع أياً كانت ومن أية جهة أتت، بالتسرع والارتجال، ورد الفعل، أو بالتـسليم لأصحابها لأنهم الأقوى، وعلى قاعـــدة " أن علينا ألا نخجل من الاعتراف بذلك والتعامل معه " أو على قاعدة " احلقوا رؤوسكم أيها العرب قبل أن يحلقوا لنا " أي اقبلوا ما يريده الآخرون قبل أن يفرضوه علينا! وماذا يريد الآخرون ؟ 1 -إزالة أسلحة الدمار الشامل. 2 -حقوق المرأة 3 -الديمقراطية ومكافحة الإرهاب. 4 -تغيير مناهج التعليم. 5 -الانفتاح الاقتصادي. 6 -احترام حقوق الإنسان... وغيرها وغيرها من الطلبات.
وللإجابة على كل طلب، يمكن طرح سلسلة من الأسئلة، واستنباط أجوبة عليها بعد بحث وتحليل عميقين مبنيين على المعلومات والاحتمالات والتجارب والأوضاع الخاصة لكل دولة من دولنا ولأمتنا عموماً، أما اعتماد الوصفات الجاهزة والمقدمة من أصحاب الطلبات وكأننا نقلد " موضة " او نستنسخ حالة، أو ننفذ أمراً فليس في ذلك ضمانة أو حصانة لأحد.
وإذا أردنا تناول هذه العناوين بسرعة فيمكن طرح تساؤلات وملاحظات تؤكد في النهاية ان ليس ثمة قوة أقوى من قوة معرفة ذواتنا وامكاناتنا وطاقاتنا، وقوة ارادتنا على تحريكها وتفعيلها. فالعالم العربي كله قبل وبعد تدمير العراق، وقبل وبعد تسليم ليبيا " الوقائي " لا يملك أسلحة دمار شامل أو أسلحة نووية، ولو ردعية أو دفاعية، أو وقائية تقاس بشيء مما تملكه اسرائيل. ومع ذلك تعلن اسرائيل اليوم استعدادها لمضاعفة عدد صواريخها وتطوير قدراتها النووية.
وإذا نظرنا الى ما يجري في فلسطين المحتلة، وتوقفنا عند اعتراف الاسرائيليين أنفسهم بفشلهم في تخفيف العمليات الفلسطينية، لسألنا: وماذا يمكن أن تفعل هذه الصواريخ والأسلحة النووية في مواجهة الطفل الفلسطيني والأم الاستشهادية ؟ وإرادة الشعب الفلسطيني الذي يعيش حالات جوع وعطش وتشريد وقهر وظلم وفقر وإرهاب ولم يسلم وبالتالي لن يكون سلام في المنطقة قبل حصوله على حقه؟ أليس في ذلك عبرة وشهادة ؟
وإذا أردنا الحديث عن حقوق المرأة ونحن معها، فماذا نقول عن طلبات الآخرين ومحاولات ابتزازهم لنا في هذا المجال عندما نسمع التجمعات النسائية العراقية تعلن أن ما اتخذ من قرارات في العراق حول شؤون وحقوق المرأة يتناقض تماماً مع الشعارات التي رفعت، ويتناقض مع ما فعله الأميركيون في أفغانستان ويعيد وضع المرأة العراقية الى الوراء ؟
ألا نستنتج من ذلك أن ثمة لائحة مصالح لدى من يطالبنا بلائحة المطالب المذكورة، تفرض أنماطاً مختلفة من التعاطي والقرارات هنا وهناك حسب طبيعة الظروف في كل الساحات؟
وإذا تحدثنا عن حقوق الإنسان، يمكننا رصد وتحليل وتأكيد وتثبيت ممارسات لا تستوعبها مجلدات من الكتب والدراسات عما تقوم به إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني وما يجري داخل أميركا نفسها أو في دول وأنظمة تدعمها أميركا. وبالتالي، يمكننا إدانة الآخرين الذين يحاولون إدانتنا.
كذلك إذا دخلنا إلى برامج التعليم لأكدنا أنه يجب أن تتغير وتتطور بما يتلاءم مع تطورات العصر، وثورة التكنولوجيا، لكن ذلك لا يدعو على الإطلاق إلى قتل ذاكرة أجيالنا أو محوها، بل يدفعنا إلى مزيد من الخطوات لتكوين وتحصين المناعة الفكرية والثقافية وبالتالي الحصانة الوطنية والقومية. فلهذه الشعوب، ولهذه الأمة تاريخ، ولهذه الأرض تاريخ وأصحاب، ولأهلها حقوق ومنها انطلقت الرسالات. والتغيير يجب أن يتم انطلاقاً من هذه الأسس، بما يحفظ التنوع ويعزز الوحدة ويبتعد عن التقليد ويتحقق بشكل تدريجي آخذين في عين الاعتبار أن الحداثة ليست في كل جديد، وأن من يدعي التقدم والتطور عند الآخر يحذر هو نفسه من مخاطر بعض مظاهر هذا التطور, كما يحذر من خطر إرهابه عليه، كما حذر دافي إيختر من الارهاب اليهودي وانعكاساته على اسرائيل. فعندما يدعوننا هؤلاء الى مكافحة الارهاب هل يدعوننا إلى مكافحة الارهاب اليهودي الذي يعترفون به ؟ وإذا حاربناه هل نحن ارهابيون أم عاملون من أجل السلام ونحن نقف ضد حالات الارهاب التي تظهر في ساحاتنا ونقف ضد الارهاب أينما كان لأننا في الأساس من ضحاياه؟ هذه هي حرب الأفكار التي يجب أن نخوضها بدل أن يفرض مواضيعها وعناصرها وآلياتها الآخرون الذين يتحدثون عنها اليوم. ويمكننا في كل بند أن نسجل ملاحظات كثيرة وأن نقدم أمثلة عديدة تدين الآخرين وتظهر حقنا وتؤكد صوابية وجهة نظرنا.
والمسألة ذاتها تطرح حول الانفتاح الاقتصادي والديمقراطية وهما أمران متلازمان ويختلفان من بيئة إلى بيئة وتتبدل وسائل وأساليب تحقيقهما بين ساحة وأخرى حسب