الاستراتيجية التي أعلنها الرئيس بوش يوم الأربعاء الماضي، لا تمثل على الإطلاق نهجاً جديداً بالنسبة للعراق، ولكنها في الحقيقة عبارة عن عملية تكييف ضرورية مع الظروف المتغيرة كان من الواجب إجراؤها على الاستراتيجية المعمول بها سابقاً. كما يمكن القول أيضاً إنها تحديث للاستراتيجية الوطنية لتحقيق النصر في العراق التي كان بوش قد أصدرها في نوفمبر 2005. وقد اعترف بوش نفسه في كلمته الأخيرة بالنواقص التي عانت منها الجهود السابقة لتأمين بغداد، وأشار إلى أن الجهد الجديد الرامي لمعالجة ذلك يمثل الفرصة الأخيرة لاستخلاص النصر في العراق لأن الفشل هناك سيؤدي إلى كارثة. على الرغم من ذلك يمكن القول إن خطة بوش يمكن أن تنجح. فالاستراتيجية –تعريفاً- هي عبارة عن عملية تفاعل بين الغايات والطرائق والوسائل. والتفكير الاستراتيجي يفترض ضمناً أن الوسائل والإمكانيات محدودة، وأنه لا توجد ثمة موارد كافية لتحقيق هذه الأهداف، مما يعني أن هناك حاجة لاتخاذ خيارات تتعلق بالطريقة المثلى لتوظيف الموارد المحدودة. وفي الحالة العراقية، فإن هدف أميركا هو تحقيق "عراق ديمقراطي فيدرالي مُوحد، قادر على حكم نفسه، والدفاع عن نفسه وإدامة نفسه، ويعمل في نفس الوقت كحليف لأميركا في حربها على الإرهاب". والمفتاح لتحقيق هذا الهدف الاستراتيجي هو توفير الأمن للشعب العراقي وهو ما يستلزم بدوره هزيمة المتمردين. حتى فبراير الماضي كان مفتاح النصر الأميركي في العراق هو هزيمة التمرد السُّني المتركز في محافظة الأنبار. وقد اتخذ الجهد الأميركي من أجل ذلك شكل حملة لتدمير التمرد السُّني من خلال حرمانه من قاعدته في المثلث السُّني ومن "خطوط الفئران" التي يُقصد بها طرق التسلل الممتدة من الحدود السورية وحتى قلب العراق. وكان المفهوم العملياتي لتلك الحملة هو "تطهير الأراضي والاحتفاظ بها". والحقيقة أن أية قوة لا تستطيع أن تحارب إذا ما كانت محرومة من الملاذ ومن الدعم اللوجستي. وبناء على ذلك، كان الهدف المركزي لاستراتيجية الولايات المتحدة قبل فبراير 2006 تدمير "خطوط الفئران" تلك الممتدة بموازاة نهري دجلة والفرات. وقد بدأت تلك الحملة في نوفمبر 2004 باحتلال مدينة الفلوجة. وكان انتزاع الفلوجة من "الجهاديين" أمراً ذا أهمية حيوية لأن سيطرتهم على المدينة، وفرت لهم بنية تحتية غاية في الأهمية لمهاجمة أهداف عراقية، وأخرى عائدة لقوات التحالف. وعلى الرغم من أن خسارة الفلوجة لم تؤدِّ إلى سقوط التمرد إلا أنها حرمته من ملاذ لا يمكن الاستغناء عنه. وبعد ذلك واصلت قوات التحالف، وبوتيرة عالية، شن الهجمات على المتمردين. وعلى الرغم من أن تلك العمليات كانت ناجحة من نواحٍ عديدة، إلا أن المشكلة بالنسبة لقوات التحالف هي أنها كانت تقوم بتطهير المواقع من المتمردين، ولكنها لم تكن تستطيع المحافظة عليها بسبب عدم وجود قوات كافية فتضطر إلى مغادرتها، وعقب ذلك كانت قوات التمرد تعود ثانية لاحتلال تلك المواقع. وفي شهر فبراير 2006 وعندما دمر المتطرفون السُّنة أحد المساجد الشيعية في سامراء، انفجر العنف الطائفي وخصوصاً في بغداد مما اضطر القوات الأميركية والعراقية إلى إعادة الانتشار لمواجهة التهديد الجديد، وعندما فعلت ذلك فقدت المكاسب التي كانت قد حققتها ضد التمرد السُّني. والخطة الجديدة هي استجابة للظروف المستجدة. والسبب الرئيسي للزيادة الجديدة في عدد القوات هو الرغبة في ضخ قوات كافية لتوفير الأمن لبغداد، مع الاستمرار في ذات الوقت في الاحتفاظ بزمام المبادأة ضد المقاتلين السُّنة في الأنبار. وتعترف هذه الخطة بأهمية تحييد المليشيات السُّنية المسؤولة في الوقت الراهن عن معظم أعمال العنف التي تحدث في بغداد. والخطة لا تنطوي على مكون عسكري فقط، وإنما على عناصر سياسية واقتصادية أيضاً. والحكمة البليغة التي تقول: "إذا ما أردت أن تهزم التمرد فعليك أولاً أن تكسب قلوب الناس وعقولهم" صحيحة في سياقنا هذا بحذافيرها. ولكن كي تحقق ذلك فإن هؤلاء الناس يجب أن يكونوا آمنين على حياتهم، ولكي يتحقق الأمن لهم فإنه يتعين على قواتنا أن تقوم بمطاردة المتمردين وقتلهم أو أسرهم. لذلك فإن النجاح العسكري يعتبر سبباً ضرورياً -وإن لم يكن كافياً- لهزيمة التمرد. والتحليل الموضوعي لحرب فيتنام الذي قدمه "مارك مويار" يدلل على صحة هذه الفكرة. فكما يبين في كتابه الجديد الرائع الموسوم "النصر المنبوذ" فإن حكومة "نجو دين ديم" الفيتنامية تمكنت من كسر التمرد الشيوعي في جنوب فيتنام عام 1960، عن طريق قتل وأسر الكوادر الشيوعية بأعداد غير مسبوقة، الأمر الذي دفع الناجين من تلك الحملة الشرسة إلى الفرار من صفوف الشيوعيين والانضمام لصفوف القوات الحكومية. وهناك كتاب آخر من تأليف "لويس سورلي" عنوانه "حرب أفضل" يبين كيف قامت الولايات المتحدة بنفس الشيء في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي. هل يمكن لخطة بوش أن تنجح؟ يعتمد هذا على ثلاثة عوامل. العامل الأول هو كفاية القوات. على الرغم من أن العديد من الخبراء العسكريين قد دعوا إلى إجراء زيادة في القوات تتراوح ما بين 40 ألفاً إلى 50 ألفاً إلا أن خطة بوش لم تعِد سوى بتوفير 20 ألف جندي فقط لأن هذا العدد هو الحد الأقصى الذي يمكن جمعه من العدد الإجمالي الحالي للقوات المسلحة الأميركية بشكل عام. العامل الثاني هو الحكومة العراقية. حتى الآن كان محظوراً على المليشيات الشيعية الدخول للعملية السياسية والحكومة، وهو ما يجب أن يتغير ويجب على الرئيس بوش أن يخبر "المالكي" بذلك. العامل الثالث هو الكونجرس. وفي هذا السياق نسأل: هل يفضل "الديمقراطيون" أن يخسر بوش أم أن تكسب الولايات المتحدة؟ دعونا نأمل أن يستمع "الديمقراطيون" إلى نصيحة مخلصة يقدمها واحد من بينهم هو السيناتور "جو ليبرمان" (كونيكتيكيت) الذي ذكرنا منذ أيام بأن الاختيار الحاسم في العراق يجب أن يكون اختياراً بين النصر وبين الهزيمة. ماكوبين توماس أوينز أستاذ الأمن القومي بكلية الحرب البحرية الأميركية ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز"