ستبين الأسابيع القليلة القادمة ما إذا كانت الولايات المتحدة وإثيوبيا وغيرها من الحلفاء الأفارقة، سيواجهون تمرداً مرتبطاً بـ"القاعدة" على النمط العراقي في الصومال، أم أن ما سيجري محاولات متدرجة لتحقيق الاستقرار –وإن بصورة غير كاملة- لدولة ومجتمع لم يعرفا سوى القليل من السلام والرخاء لأجيال. وليس القرن الأفريقي هو فقط المعرض للخطر، وإنما أيضاً الجهد الأوسع نطاقاً الرامي للحيلولة بين "القاعدة" والإسلاميين وبين استغلال الدول الضعيفة والفاشلة واستخدامها كملاذ لهم. وقد استهدفت الغارات الجوية الأميركية -وربما الإثيوبية أيضاً- التي تمت هذا الأسبوع مواقع المقاتلين الإسلاميين في الصومال، وذلك في إطار المجهود الذي تقوم به الولايات المتحدة لتعقب بعض العناصر المطلوبة والمشتبه بضلوعها في الهجمات التي تمت ضد سفارتي الولايات المتحدة في شرق أفريقيا. إلى ذلك أعلن مسؤول صومالي كبير الأربعاء الماضي أن هناك حاجة لوجود قوات أميركية على الأرض، لاستئصال جذور العناصر الإرهابية المتبقية، وأنه يتوقع وصول تلك القوات قريباً. وعلى الرغم من أن هناك حاجة لقيام الولايات المتحدة بدعم قوات حفظ السلام الأفريقية، فإن قيامها بإرسال قوات عسكرية أميركية كبيرة في محاولة لفرض السلام في الصومال سيكون عملاً يفتقر إلى الحكمة. وكانت القوات الإثيوبية قد قامت في الأيام الأخيرة من عام 2006، وباستخدام قوات عسكرية متفوقة، بالتدخل بشكل حاسم لاستعادة سلطة الحكومة الصومالية المؤقتة المتداعية بقيادة "علي محمد جيدي" والمدعومة من قبل الولايات المتحدة الأميركية، والعديد من الدول الغربية والأفريقية. وفي الوقت الراهن تواجه تلك القوات "الإثيوبية" نفس المأزق الذي تواجهه القوات الأميركية في العراق. إن رئيس الوزراء الإثيوبي"ميليس زيناوي" ومن يقدمون له المشورة، ليس أمامهم في الوقت الراهن سوى بديلين: الأول هو الاستمرار في احتلال مكلف (أو ممول جزئياً من قبل الولايات المتحدة) للصومال، وهي دولة جارة وعدو تقليدي لبلاده. والخيار الثاني هو السعي لتجنب التورط في حرب واسعة النطاق على النمط الجهادي في القرن الأفريقي، وذلك بسحب قواته من هناك. وهذه الحرب في حالة اندلاعها، يمكن أن تشمل ليس فقط الصومال وإثيوبيا، ولكن دولاً أخرى مثل أريتريا وهي دولة مُعادية ومجاورة لإثيوبيا، كانت تقوم بتسليح الإسلاميين الصوماليين وإسلاميي "القاعدة" المدعومين صومالياً، الموجودين حالياً تحت الأرض والذين يستعدون بحسب حكومة "جيدي" للقيام بعمليات إرهابية وشن حرب عصابات. والانسحاب الإثيوبي السريع من الصومال، يمكن أن ينتج عنه تفجر الاقتتال الطائفي الدموي مجدداً، وهو القتال الذي كان سبباً في تمزيق الصومال منذ سقوط حكومة الديكتاتور السابق "محمد سياد بري" عام 1991. ومع ذلك، فإن استمرار تلك القوات في البقاء كما ألمح "جيدي" سيوفر لـ"القاعدة" سبباً وقضية يبرران تواجدها، كما سيجعل من القوات الإثيوبية هناك هدفاً سهلاً للمتمردين، وهو تحديداً ما دعا إليه مؤخراً أيمن الظواهري الرجل الثاني في تنظيم "القاعدة" في كلمة سمعت على نطاق واسع من قبل الإسلاميين في المنطقة. وقد استجابت وزيرة الخارجية الأميركية "كوندوليزا رايس" للأزمة، من خلال توجيه نداء عاجل ومتعقل موجه إلى دول شرق أفريقيا تطالبها فيه بالقيام، وعلى نحو عاجل، بنشر قوة حفظ السلام الذي تأخر نشرها على الرغم من موافقة الأمم المتحدة على ذلك في 6 ديسمبر الماضي. يذكر في هذا السياق أن" جنداي فريزر" مساعدة رايس للشؤون الأفريقية، قد التقت الأسبوع الماضي مع "زيناوي" ورئيس الوزراء الأوغندي "يوري موسيفيني" في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا لمناقشة الأزمة في الصومال. وبعد الاجتماع أدلى زيناوي بتصريح جاء فيه: "إن الوضع السائد في العراق لن يتكرر في إثيوبيا". فضلاً عن ذلك، التقت وزيرة الخارجية الأميركية دبلوماسيين أفارقة وعرباً في العاصمة الكينية نيروبي، وتعهدت بأن الولايات المتحدة ستقوم بتقديم المساعدات لتحقيق الاستقرار في الصومال. كما تعهد المشاركون في الاجتماع بدعم قوة حفظ السلام، والخطة الرامية لمطالبة جنوب أفريقيا ودول أفريقية أخرى بإرسال قوات حفظ سلام إلى هناك. وحتى الآن لم تتعهد سوى دولة واحدة هي أوغندا بتقديم جنود، وإن كانت قد قالت إنها لن ترسلهم فعلاً قبل أن تقوم الأمم المتحدة رسمياً برفع الحظر المفروض على شحن الأسلحة للصومال. أما السودان المجاور، والذي يحكمه نظام موالٍ للإسلاميين، فقد رفض بعناد السماح بنشر أية قوات حفظ سلام مخولة من قبل مجلس الأمن الدولي، لوضع حد للمذابح في إقليم دارفور، التي أدت إلى هز استقرار تشاد المجاورة وجمهورية أفريقيا الوسطى. وعلى خلفية تلك الأزمات الناشبة في دارفور والصومال فإن "البنتاجون" تخطط لإنشاء "قيادة عسكرية أميركية جديدة" لأفريقيا. وفي الوقت الراهن تقوم وحدات من الأسطول الأميركي الخامس بأعمال الحراسة في المياه الواقعة قبالة الساحل الصومالي، والتي تنتشر فيها أعمال القرصنة على نطاق واسع، للحيلولة دون هروب إرهابيي "القاعدة" الموجودين في الصومال. والقيادة العسكرية الأميركية الجديدة التي تزمع الولايات المتحدة إنشاءها في أفريقيا لها عدة قواعد ومنشآت بديلة يمكن أن تقدم الإسناد لأي عمليات حربية إقليمية. أما قيام الولايات المتحدة بإرسال أعداد كبيرة من قواتها لدعم الحكومة الصومالية أو أي حكومة أفريقية أخرى فهو شيء يجب على واشنطن أن تمتنع تماماً عن القيام به. وبدلاً من ذلك يمكن لواشنطن أن تعمل بالتعاون مع حلفائها الأفارقة والأوروبيين من أجل دعم قوات حفظ السلام الأفريقية. كما يجب أن تحافظ على وعودها بخصوص استئناف مساعداتها الاقتصادية والإنسانية، وأن تفعل كل ما في وسعها للحيلولة دون نشوب حرب جديدة من حروب الوكالة في أفريقيا. ـــــــــــــــــــــــــــــــ مراسل سابق لـ"كريستيان ساينس مونيتور" في أفريقيا والشرق الأوسط ـــــــــــــــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"