يعتبر سرطان الرئة من أخطر الأمراض السرطانية على الإطلاق، ليس فقط لأنه ضمن أكثر أنواع السرطان انتشاراً، بل أيضاً بسبب ارتفاع نسبة الوفيات الناتجة عنه. فرغم أن سرطان الرئة يحتل المرتبة الثانية على قائمة الأمراض السرطانية الأكثر انتشاراً، فإنه يأتي على رأس قائمة الوفيات الناتجة عن جميع أنواع السرطان، حيث يتسبب في مقتل أكثر من ثلاثة ملايين شخص سنوياً حول العالم. وحتى بين النساء، واللواتي تنخفض لديهن احتمالات الإصابة مقارنة بالرجال، نجد أن الوفيات الناتجة عن سرطان الرئة تزيد عن إجمالي الوفيات الناتجة عن كل من سرطان الثدي، وسرطان الرحم، وسرطان المبيضين، مجتمعة. ويكفي لندرك مدى فداحة هذا المرض، أن نعلم أنه في بريطانيا، ومن بين قرابة الأربعين ألف شخص الذين يتم تشخيص المرض لديهم سنوياً، يلقى 80% منهم حتفهم في خلال أقل من عام. ولا يختلف الوضع كثيراً في الولايات المتحدة، والتي يصاب فيها أكثر من 175 ألف شخص سنوياً بسرطان الرئة، حيث يموت معظمهم في الشهور الأولى بعد التشخيص. هذه الوفيات الحتمية والسريعة، تحدث في دولتين من أكثر دول العالم تقدماً على صعيد الأبحاث والتكنولوجيا الطبية، ولنا أن نتخيل مصير مرضى سرطان الرئة في الدول الأفقر والأقل تقدماً في مجال الرعاية الصحية. ولكن لماذا ينتشر سرطان الرئة بهذا المدى؟ ولماذا يقتل ضحاياه بشكل أسرع وأكبر من بقية الأمراض السرطانية؟ إجابة السؤال الأول ترتبط بالأربعة أسباب الرئيسية خلف الإصابة بمعظم أنواع الأمراض السرطانية، وهي: التعرض لمسببات السرطان (Carcinogens)، والتعرض للإشعاع، والاستعداد الوراثي الجيني، والإصابة بأنواع معينة من الفيروسات. السبب الأول والمتعلق بمسببات السرطان، يظهر أثره بشكل واضح في العلاقة بين سرطان الرئة وتدخين التبغ، حيث يقدر أن 80% من حالات سرطان الرئة تحدث بين المدخنين، نتيجة احتواء دخان السجائر على المئات من المواد الكيميائية المعروف عنها تسببها في تحول الخلايا الطبيعية إلى خلايا سرطانية. هذا التأثير القاتل لدخان السجائر يتفاقم بزيادة طول الفترة التي يستمر الشخص فيها في التدخين، وبكمية ما يدخنه خلال تلك الفترة. وهو ما يجعل احتمالات الإصابة بسرطان الرئة، تزداد بشكل هائل، كلما طالت فترة التدخين وزادت كميته. ورغم أن صناعة السجائر، تحاول دائماً إنكار هذه العلاقة، أو على الأقل التقليل من قوة ارتباطها، فإن الإحصاءات التاريخية تثبت عكس ذلك؛ فقبل انتشار التدخين على نطاق واسع حول العالم، كان سرطان الرئة مرضاً نادراً إلى حد كبير. ففي دراسة أجريت عام 1878، لم تتخط نسبة الإصابة بسرطان الرئة 1% من جميع أنواع الأمراض السرطانية، ومع بدايات القرن العشرين، ارتفعت هذه النسبة إلى 15%، ليصبح حالياً ثاني أكثر الأمراض السرطانية انتشاراً على الإطلاق. وبحلول الخمسينيات، نشرت واحدة من أشهر الدراسات الطبية، والمعروفة بدراسة الأطباء البريطانيين (British Doctors Study) تقريراً مفاده أنه من خلال تحليل جميع البيانات لقرابة الخمسة وثلاثين ألف طبيب، مدخنين وغير مدخنين، توصل الباحثون إلى حقيقة أساسية، هي أن متوسط عمر المدخنين يقل بعشرة أعوام عن غير المدخنين. هذا بالإضافة إلى أن نصف المدخنين يلقون حتفهم في النهاية بسبب مرض أو آخر من الأمراض الناجمة عن التدخين. أما لماذا يعتبر الإصابة بسرطان الرئة، حكماً شبه مؤكد بالإعدام؟ فيعود جزء كبير من إجابة هذا السؤال إلى قدرة خلايا سرطان الرئة، على تجنب تأثير العقاقير المستخدمة في العلاج الكيماوي، وهو ما يجعل الأطباء بلا حول ولا قوة، أمام النمو والانتشار المستمر للخلايا السرطانية إلى بقية أجزاء الجسد. وخصوصاً إذا ما وضعنا في الاعتبار أن أساليب العلاج الأخرى، مثل الجراحة أو العلاج بالإشعاع، لا تجدي في الغالب مع سرطان الرئة. ويحاول الأطباء تخطي هذه العقبات من خلال استخدام تطعيم، يحفز جهاز المناعة على مهاجمة الخلايا السرطانية والقضاء عليها. وبالفعل بدأت هذا الأسبوع، تجربة التطعيم الجديد والمعروف باسم "ستميو- فاكس" (Stimuvax)، على أكثر من 1300 مريض حول العالم، في دراسة هي الأكبر من نوعها في هذا المجال. حيث سيتم تقسيم المرضى إلى قسمين: الأول سيتلقى العلاج التقليدي، بالإضافة إلى التطعيم، بينما سيتلقى القسم الثاني العلاج التقليدي فقط. ويجب التنويه هنا، إلى أن الهدف من هذا التطعيم ليس الوقاية من الإصابة بسرطان الرئة، بل مساعدة الجسم على مكافحة المرض من خلال استخدام طاقاته الداخلية. ولا يأمل العلماء –عند هذه المرحلة- أن يحقق التطعيم الشفاء التام، حيث يأملون فقط في أن يساعد التطعيم على إطالة حياة المرضى لأكبر فترة ممكنة. ففي الدراسات الأولية، نجح التطعيم في الإبقاء على حياة نصف المرضى الذين تلقوه لمدة ثلاثين شهراً، مقارنة بثلاثة عشر شهراً فقط في نصف المرضى الذين لم يتلقوا العلاج التطعيم. وبالنظر إلى قصر الفترة التي يحياها مرضى سرطان الرئة من الأساس، تعتبر هذه الشهور القليلة إضافة زمنية هائلة لفترة بقائهم على قيد الحياة بعد إصابتهم بالمرض. أما أفضل الطرق للوقاية من الإصابة بسرطان الرئة، فهي ببساطة الامتناع عن التدخين من الأساس، والإقلاع عنه إذا ما كنت من المدخنين. فمن بين من كانوا يدخنون لسنوات وعقود، تبدأ احتمالات إصابتهم بسرطان الرئة في الانخفاض فوراً، منذ أول يوم يقلعون فيه عن التدخين، وتظل تنخفض باستمرار، إلى أن تتساوى تقريباً بمرور الوقت مع من لم يدخن طوال حياته.