يخبرك ما حدث في الطريق الذي يشق وسط منطقة "بنجاوي"، عن مدى خطأ وانحراف عمليات "الناتو" في أفغانستان كلها. ففي سبيل شق مقاتلي الحلف طريقهم إلى متمردي حركة "طالبان" في المنطقة، اضطروا لاقتلاع أشجار كافة البساتين، وهدم الجدران والمنازل وتدمير جميع المزارع وحقول الشمام التي اعترضت طريقهم. وعلى رغم التخطيط النظري لمشروعات إعادة البناء، فإنه لم يقدر لها مطلقاً أن تُرجمت إلى واقع ملموس حتى هذه اللحظة. وتعويضاً منه للأهالي المحليين عن هذه الخسائر المالية الكبيرة التي لحقت بهم وبمنطقتهم، فقد التزم "الناتو" بتوفير مبلغ 5 ملايين دولار، كهدية لهم. ولكن تبقى حقيقة أن هؤلاء قد فقد الكثيرون منهم بيوتهم، وتملكهم الخوف والفزع والمصير المجهول، منذ أن اندلعت الحرب مجدداً في بلادهم في شهر مايو الماضي، خاصة وأنه لم تلح في الأفق بعد، أية بوادر لانتصار حلف "الناتو" على متمردي "طالبان" في هذه الحرب. ولكل ذلك، فإنه ليس غريباً أن يعتقد الأهالي المحليون أن الطريق المذكور، إنما جرى تعبيده لصالح قوات الحلف، على حساب أراضيهم وحياتهم ومعيشتهم. "لقد أرغمنا على أن نبدي سعادتنا بهذا الطريق، الذي بدأ الجنود تعبيده وما من سبيل لتوقفهم عن بنائه. لكننا في حقيقة الأمر غير راضين ولا سعداء بما حدث لمزارعنا وبيوتنا وأراضينا. فقد تحولنا بسبب الطريق إلى مشردين عن ديارنا منذ تسعة أشهر مضت، دون أن يكلف أحد نفسه بسؤالنا عن أحوالنا وكيف نواصل حياتنا دون مأوى ودون عائد مالي نعيش عليه". ذلك هو ما قاله "حاج بران" من منطقة "بنجاوي"، البالغ من العمر 48 عاماً. وقال المتحدث: "إننا اضطررنا لبيع مجوهرات نسائنا كي نقيم أود أطفالنا وعائلاتنا". وفي الحقيقة، فإن هذا النزاع حول الطريق المذكور، ليس سوى مظهر واحد من مظاهر ما يرى فيه الكثير من الأفغان والدبلوماسيين وعمال الغوث، تفسيراً لشكوكهم في مدى إمكانية نجاح العمليات العسكرية التي يقوم بها حلف "الناتو" في جنوبي أفغانستان. ويضيف البعض إلى ذلك كله، ما ينسبه الأهالي لقوات الحلف، من قتل عشوائي للمدنيين، إلى جانب مظاهر فساد وعدم أهلية المسؤولين المحليين. وتعد منطقة "بنجاوي"، وكذلك منطقة "زهاري" القريبة منها، والواقعة غربي مدينة قندهار، ذات أهمية استراتيجية بالغة، بسبب التهديد المباشر الذي يمثله حضور "طالبان" الكثيف فيهما، لمدينة قندهار، ومن ثم للجنوب الأفغاني برمته. وعلى رغم ذلك كله، فما من شيء واحد مضى كما ينبغي وخطط له. والسبب الرئيسي وراء هذا الفشل، ضعف التنسيق بين العمليات العسكرية التي يتم تنفيذها هناك، ومشروعات إعادة البناء، التي لا تزال حبراً على ورق. وبالنتيجة فقد عمت مشاعر الإحباط بين موظفي وكالات الغوث الإنساني والدبلوماسيين، بقدر ما عمت المشاعر ذاتها بين المواطنين المحليين الأفغان. ففي الوقت الذي صعدت فيه قوات "الناتو" والقوات الأميركية الخاصة عملياتها في شهر سبتمبر الماضي ضد عناصر "طالبان" المتمردة هناك، لم تكن البرامج الأخرى المساعدة لهذه العمليات –بما فيها برامج الغوث الإنساني- جاهزة وقتئذ. ثم تلا ذلك التصعيد، انسحاب القوات المذكورة بعد مدة وجيزة من المنطقة، ما فتح الباب لعودة عناصر "طالبان" التي عاودت شن هجماتها، بعد أيام فحسب من انسحاب قوات الحلف. "إننا نحك رؤوسنا حيرة ودهشة من سبب تأخر عمليات الإغاثة والمساعدات الإنسانية اللازمة للمواطنين إثر ذلك التصعيد العسكري في المنطقة"، ذلك هو تعليق أحد الدبلوماسيين الغربيين العارفين بمنطقة "بنجاوي". واستطرد الدبلوماسي نفسه قائلاً: لم يكن السبب وراء هذا التأخير هو عدم توفر البرامج المساعدة لحظة شن الهجمات المضادة على عناصر "طالبان". ومع أنه لا يزال في وسعنا تلبية الاحتياجات الأساسية للمواطنين، إلا أن الأمر يختلف جداً ونجد أداءنا في أشد القصور، ما أن يتعلق الأمر بتوفير الوظائف وسبل المعيشة المستدامة للمواطنين. والشاهد أن عمليات "الناتو" العسكرية في تلك المنطقة، قد أعاقت عملياً عودة آلاف المواطنين المحليين إلى بيوتهم. وبالنتيجة فقد كان طبيعياً أن ترتفع أصوات موظفي الإغاثة الذين شرعوا في تنفيذ بعض المشروعات الإنسانية المساعدة، بالشكوى من استمرار تردي الوضع الأمني، ومن تكرار تعرض العديد من عمال الإغاثة لنيران الحلف. وقد أسفر كل ذلك عن ضآلة البرامج المساعدة التي جرى تنفيذها هناك. يذكر أن الحلف اضطر لشن هجمات أخرى في المنطقة نفسها، لإرغام متمردي "طالبان" على التقهقر والانسحاب من المناطق التي استعادوا سيطرتهم عليها بعد اندحارهم منها في شهر سبتمبر الماضي. ولكن الذي يسيطر الآن على عقول المسؤولين الحكوميين المحليين، وكذلك مسؤولي الشرطة والجيش، بل وعقول المواطنين والأهالي، هو كيف يمكن وقف متمردي "طالبان" من التغلغل والعودة مجدداً من أجل شن هجمات أكبر وأوسع نطاقاً في فصل الربيع المقبل، الذي يتوقع له أن يبدأ في جنوبي أفغانستان في شهر فبراير المقبل؟ وما لم يسع الحلف لكسب دعم الأهالي المحليين لجهوده الحربية، فإن تلك المهمة تبقى مستحيلة من الناحية العملية. ذلك هو ما يراه المسؤولون الحكوميون والأهالي أنفسهم. أما مشاعر الأهالي، فقد عبر عنها الكثيرون، بمن فيهم حاج عبدالغفار، البالغ 60 عاماً، وهو عضو بمجلس زعماء قرية "سبوران" التي طالها الدمار: "نحن غاضبون من كلا الجانبين، قوات "الناتو" ومتمردي "طالبان". حيث لا يمكن الحوار مع أي منهما، في حين لا يرغب الأجانب في الاستماع إلينا. فإلى من نتحدث نحن إذن"؟ أما فيما يتعلق بمهمة البناء وإعادة الإعمار، فقد دفع فساد المسؤولين المحليين وعدم أهليتهم، الكثير من الأهالي لإدارة ظهرهم للحكومة وحلفائها الغربيين، ما يعني أن إعادة البناء، ما تزال مجرد شعار لا أكثر. ذلك هو ما أكده "جوان ناثان"، الباحث من "مجموعة الأزمات الدولية". فهل في وسع "الناتو"، تبديل هذا الفشل إلى نصر ونجاح؟ كارلوتا جال مراسل صحيفة "نيويورك تايمز" في أفغانستان ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز"