التدرّج المنطقي لأي سُني أو شيعي هو: كائن حي، فإنسان، ثم مسلم، وأخيراً سُني أو شيعي. لكن إعدام صدام حسين عكس هذا التدرُّج عند بعض السُّنة المعترضين على إعدامه وبعض الشيعة المهلِّلين لإعدامه، بحيث ابتدأوا، سُنّة أو شيعة، وتوقفوا عند هذا المستوى لا يتجاوزونه. لا أعني هنا من تحفّظ على توقيت الإعدام باعتبار يوم العيد يوماً للتسامح وليس يوماً للانتقام. ولا من وضع يده على قلبه وهو يرى العراق ينتقل من حقبة الطغيان الحزبي إلى حقبة التشفّي الطائفي. ولا من هو معترض أساساً على عقوبة الإعدام معتبراً إياها قتلاً قضائياً مفضّلاً عليها عقوبة السجن المؤبد. فلهؤلاء أسباب مفهومة لا علاقة لها بالجرائم التي شُنق بسببها صدام. ولا أعني كذلك من اعتبر إعدامه تنفيذاً للعدالة أو راحة لعوائل من قضوا على يديه، ولا من رأى أن إعدامه ضروري لبدء صفحة جديدة، فلهؤلاء أيضاً وجهة نظرهم المقبولة. لكن أعني المعترضين من السُّنة والمهلِّلين من الشيعة الذين اعترضوا أو هلّلوا لأن الذي حاكم صدام السُّني ونفذ فيه الحكم هم شيعة. المعترضون من السُّنة أنفسهم، اعتبروا مقابر صدام حسين الجماعية لشيعة الجنوب بعد تمرّدهم عليه حقاً من حقوقه، لكنهم اعترضوا على غزوه الكويت، لأن المسألة هنا خرجت من سُني- شيعي، إلى سُني- سُني، حينها فقط استيقظت الإنسانية في دواخلهم. والمهلّلون من الشيعة أنفسهم، يعتبرون القمع الذي يتعرّض له السُّنة في إيران على يد الملالي الشيعة حقاً من حقوق هؤلاء الملالي، لكنهم غير راضين عن المضايقات التي يتعرّض لها مراجع شيعة على يد ملالي السلطة في إيران، فالقضية الآن ليست قضية شيعي- سُني، بل شيعي-شيعي، هنا فقط استيقظت الإنسانية في دواخلهم. وللتوضيح أكثر، تأسّف هؤلاء السُّنة للقتال الطاحن الذي دار بين "طالبان" وعموم المجاهدين الأفغان السُّنة، لكنهم برّروا مذابح "طالبان" في "شيعة الهزارا" بأن هؤلاء خونة وطابور خامس. ويتأسف هؤلاء الشيعة على مواقف مقتدى الصدر من مرجعية السيستاني، ويعتبرها بعضهم جنوناً وحماقة، لكنهم يبرِّرون القتل الطائفي الذي تمارسه مليشيات الصدر و"فيلق بدر" ضد العرب السُّنة في العراق. طالما تتبلد مشاعر هؤلاء عند الحديث عن معاناة إخوتهم البشر، ولا ينصفونهم ولو بكلمة حق إلا إذا اجتمعوا معهم على مذهب واحد، فهم يؤكدون في الوقت نفسه، أنهم ليسوا سوى سُنة، وليسوا سوى شيعة، أما مقام الإنسان، فبعيد عنهم كبعد عطارد عن نبتون. الغريب في الأمر أنهم يستندون في مواقفهم على الدين، فالسُّنة المعترضون يعتبرون الشيعة المهلّلين "روافض"، والشيعة المهلّلون يعتبرون السُّنة المعترضين "نواصب"، وكلا الوصفين لهما أبعاد دينية، بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "انصرْ أخاك ظالماً أو مظلوماً"، فقال رجل: أنصره إذا كان مظلوماً، أفرأيت إذا كان ظالماً كيف أنصره؟ قال: "تحجزه أو تمنعه من الظلم فإنّ ذلك نصره". فليس في الأمر سُني ينافح عن سُني ولا شيعي يذود عن شيعي، ولا حتى مسلم وغير مسلم، بل إنسان ظالم وإنسان مظلوم، لأن "الإنسان أخو الإنسان أحبَّ أم كره"، ولأن الظلم لا دين له ولا مذهب، لكن أين هو الإنسان؟