تحل هذه الأيام الذكرى الخامسة لقيام الولايات المتحدة بنقل الدفعة الأولى التي ضمت 700 رجل، كانت قد أسرتهم في ميدان المعارك في أفغانستان، إلى معتقل" جوانتانامو". وبعض هؤلاء الرجال لا يزال ضمن 395 معتقلاً تحتفظ بهم الولايات المتحدة حتى الآن في ذلك المعتقل، دون أن يحصل أي منهم على ما يمكن وصفه بمحاكمة شبه عادلة. ولا يزيد عدد من وجهت إليهم تهم رسمياً ضمن هذا العدد المتبقي عن عشرة معتقلين فقط، وهناك تقارير تفيد بأن معظمهم محجوزون في ظروف أقرب ما تكون إلى العزلة الكاملة. إن معتقل "جوانتانامو" يمثل وصمة على جبين أميركا، وما يحدث فيه يؤثر عن حق على وضعها في مختلف أنحاء العالم. والرئيس جورج بوش نفسه اعترف بالمشكلة التي يمثلها ذلك المعتقل، ويقال إنه أعرب عن رغبته في إغلاقه... وإذا ما كان الأمر كذلك فإنه يتعين عليه هو والكونغرس أن يعملا سوياً وبسرعة من أجل تحقيق هذا الهدف. بيد أن ما حدث في نفس الوقت هو أن السلطات العسكرية الأميركية قامت ببناء مجمع زنازين جديد في المعتقل. صحيح أن هناك أنباء عن خطط يتم إعدادها حالياً لبناء قاعات محاكم يمكن أن تساعد يوماً ما على تقليص عدد المعتقلين -رغم اعتراف المسؤولين في المعتقل بأن عدداً محدوداً من المعتقلين هم الذين ستتم محاكمتهم إذا ما تقرر يوماً إجراء محاكمات هناك. وحتى إذا ما تقرر إجراء تلك المحاكمات التي ستجري بموجب "قانون التفويضات العسكرية" الذي قام الكونجرس بتمريره في شهر سبتمبر الماضي، فإنها ستكون موضعاً لاعتراضات قد تستغرق شهوراً لحلها. لذلك يظل مصير المعتقلين في جوانتانامو غير معروف على وجه التحديد: فهم لا يزالون معتقلين في ظروف مقلقة دون أن تلوح أمامهم بارقة أمل في انتهاء وضعهم الحالي، وهم يجدون أنفسهم غير قادرين حتى الآن على معرفة -أو الاعتراض على- الأدلة التي تمتلكها الحكومة الأميركية ضدهم. ومعتقل جوانتانامو يمثل مشكلة حقيقية لأمة تعتبر نفسها أمة قانون عملت في الماضي بجد من أجل إعلاء حكم القانون في الساحة الدولية. ومن بين المبادئ التي يقوم عليها حكم القانون ذلك الذي يقول إن من حق الحكومة أن تحرم شخصاً ما من حريته تحت ظروف يحددها نظامها القانوني، أو تحددها -في ظروف معينة- قوانين الحرب الدولية التي تأتي في مقدمتها القوانين المتضمنة في اتفاقيات جنيف. وحتى في الأنظمة القانونية التابعة لكل دولة، فإن الإجراء الطبيعي، هو أن يكون لدى السجناء الحق في محاكمة عادلة خلال فترة زمنية معينة، يمكنهم خلالها الاطلاع على الأدلة المقدمة ضدهم والاعتراض عليها. أما اتفاقيات جنيف، فهي وإن لم تعطِ المقاتلين الذين يتم أسرهم في الحرب حق المحاكمة، إلا أنها تنص على ضرورة الاحتفاظ بهم في ظروف إنسانية، والإفراج عنهم ونقلهم إلى بلادهم، عندما تنتهي الحرب. وعندما قامت الولايات المتحدة بغزو أفغانستان في أكتوبر 2001، وجدت نفسها تحتجز آلاف الرجال الذين أسرتهم في ساحات المعارك... وأعلنت إدارة بوش في ذلك الوقت أن حربها على الإرهاب في ذلك البلد، تختلف عن كافة الحروب التي خاضتها من قبل، وبالتالي فإن جميع الأفراد الذين قامت بأسرهم ليس من حقهم التمتع بالحماية التي توفرها اتفاقيات جنيف. أما في حرب العراق التي بدأت عام 2003، فإن الحكومة الأميركية اتخذت موقفاً مناقضاً لموقفها في أفغانستان، حيث قالت إن اتفاقيات جنيف تنطبق على الأسرى العراقيين. وقد ترتب على ذلك الموقف من قِبل إدارة بوش أن الأفراد الذين اعتقلتهم الولايات المتحدة في أفغانستان وجدوا أنفسهم وقد سقطوا في "ثقب قانوني أسود"، وبالنسبة للكثيرين منهم كان اسم ذلك "الثقب الأسود" هو "جوانتانامو". خلال عدة سنوات، دفع محامو الحكومة الأميركية بأن القوانين الأميركية لا تنطبق على معتقلي جوانتانامو، وذلك قبل أن تقوم المحكمة العليا الأميركية في يونيو الماضي بإصدار فتوى مؤداها أن تلك القوانين تنطبق على هؤلاء المعتقلين، غير أنه ليس من حقهم التمتع بكافة الحقوق التي يتمتع بها المواطنون الأميركيون. وعندما مرر الكونجرس "قانون التفويضات العسكرية" في سبتمبر الماضي، حاول أن يحدد ماهية حقوق المعتقلين، ونوعية المحاكمة التي يستحقونها. ورغم ذلك فإن المشكلات التي تواجهها واشنطن بخصوص جوانتانامو لا تزال بدون حل. فمحاكمة المحتجزين هناك بموجب "قانون التفويضات العسكرية"، لا يقدم أملاً في إغلاق المعتقل خلال فترة قريبة، كما أن الحرب على الإرهاب التي تم استخدامها لتبرير القبض على هؤلاء المتهمين واستمرار احتجازهم دون محاكمة، ليس من المرجح أن تكون لها نهاية واضحة تبرر القيام بالإفراج عنهم وترحليهم إلى دولهم، كما يحدث بالنسبة للحروب العادية التي تكون لها بدايات ونهايات واضحة. إن استمرار وجود معتقل جوانتانامو يمثل تحدياً معنوياً كبيراً للشعب الأميركي... ونحن في حاجة لإغلاق "معتقل العار" هذا وتسليط الضوء على الانتهاكات التي تعرض لها المعتقلون فيه، ومحاكمة من تتوافر ضدهم أدلة قوية، والإفراج عمن لا توجد ضدهم أدله كافية، مع القيام في الوقت نفسه بتقديم المساعدات التي تمكن هؤلاء الأشخاص من إعادة التأهل لممارسة حياتهم العادية بعد سنوات من الاعتقال في ظروف غير إنسانية. هل سيضطلع الكونجرس، بتشكيلته الجديدة، بهذه المهمة؟ أتمنى ذلك من كل قلبي. هيلينا كوبان كاتبة ومحللة سياسية أميركية ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"