لـ"باتريك لوزي" حلم، وهو أن يتمتع مواطنو فرنسا السود يوماً ما بالمساواة التي يعطيهم إياها القانون. ويقول "لوزي"، الذي تتحدى رؤيته نموذج الاندماج الفرنسي الذي يتغاضى عن اللون: "أن يكون المرء أسود ومعتزاً بنفسه فليس معنى ذلك أنه مُعادٍ للفرنسيين؛ بل معناه بكل بساطة تحرير مجموعة من المواطنين ترى أنها غير ممثلة كما ينبغي في الحياة العامة لبلادها –في المسرح والتلفزيون والطب والجامعات". وليس من قبيل الصدف أن تُذكّر كلمات "لوزي" بمارتن لوثر كينج وغيره ممن دافعوا عن الحقوق المدنية في الولايات المتحدة؛ إذ شكل نضال الأميركيين الأفارقة في سبيل المساواة العرقية مصدر إلهام له حين أسس أول منظمة ضغط سوداء وطنية في فرنسا. وأقد أُسست منظمته، التي تدعى "المجلس التمثيلي للجمعيات السوداء" أو "كران" اختصاراً، في أواخر 2005، بُعيد أعمال الشغب الواسعة التي اندلعت في الضواحي والأحياء الهامشية للمدن الفرنسية التي تقطنها أسر المهاجرين الأفارقة والعرب بصفة خاصة. وحسب "لوزي"، فإن أعمال الشغب هذه لم تشكل الدافع المباشر إلى إنشاء "كران"، وإنما منحت المنظمة الزخم والطابع العاجل وأكسبتها اهتماماً كبيراً في وسائل الإعلام. وقد انكب زعماء "كران" خلال الأشهر الماضية على عقد المؤتمرات وتشكيل اللجان وإنشاء شبكة للمنظمة عبر أكثر من 130 جمعية محلية سوداء منضوية تحت لوائها. كما كانت المنظمة وراء مظاهرات عديدة تحتج على مقدم أحد البرامج التلفزيونية الذي أهان الأفارقة، وعلى الطريقة التي يُعرف بها أحد القواميس الفرنسية كلمة "الكولونيالية"، وعلى القوانين التي تمنع جمع إحصائيات عرقية. ولعل أصعب تحدٍّ لـ"كران" يتمثل في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقررة ربيع هذا العام. فإذا كان عدد من الخبراء السياسيين يشككون في قدرة المجلس على توحيد السود في إطار كتلة انتخابية واحدة، فإن زعماءه يقولون إنهم سيتميزون عن غيرهم عبر وضع مسألة التمييز العرقي صراحة على أجندة الحملة. وفي هذا الإطار، يرى "لوزي" أن منظمته نجحت قبل ذلك في لفت انتباه الساسة والرأي العام في فرنسا إلى السود وعن ذلك يقول: "لفترة طويلة، كان يتم تعريفنا وفق البلد الأصلي أو الوضع الاقتصادي، وهو ما كان يمثل نكراناً ينم عن نفاق اجتماعي لهويتنا"، مضيفاً: وإذا استمررنا في قول كلمة "الأفارقة"، فإننا نرحل المشكلة، ليس إلا؛ ذلك أن سبب التمييز ليس كوننا أفارقة، وإنما لأننا سود البشرة. يُذكَر أن فرنسا لا تسأل عن العرق أثناء التعداد السكاني، كما أنها لا تجمع معلومات حول الأصل عدا الاستفسار بشأن مسقط رأس والدي الشخص. وبالتالي، فإن التقديرات بشأن حجم السكان السود لا تعدو كونها من قبيل الاجتهادات التي تستند إلى معطيات الهجرة والتخمينات حول حجم الأسرة. وفي هذا الإطار، تقدر "كران" أن فرنسا تضم ما بين 2.5 و5 ملايين أسود –يمثلون 8 في المئة من عدد السكان على أكثر تقدير. والحقيقة أن قياس التمييز العنصري لا يقل صعوبة، وإن كانت الوكالة الحكومية التي تعنى بمعالجة الشكاوى والتظلمات تقول إن 40 في المئة من 1800 حالة ذات صلة تتعلق بالتمييز القائم على العرق أو الأصل. كما اعترفت الحكومة، ولاسيما في السنوات الأخيرة الماضية، بوجود التمييز في سوق العمل والافتقار إلى التنوع في وسائل الإعلام والمؤسسات. إلا أن ضحايا التمييز لا يوصفون رسمياً سوى وفق أوضاعهم الاقتصادية أو الاجتماعية، كأن يوصفوا بسكان الأحياء "الفقيرة" مثلاً، أو بأنهم أشخاص "ينحدرون من أصول مهاجرة". والواقع أنه حين اختارت "كران" تعريف نفسها بأنها "منظمة سوداء"، واجهت عداءً كبيراً من قبل بعض الأوساط في فرنسا؛ فإذا كان قولها إن السود تجمعهم أهداف ومشاكل مشتركة نظراً للون بشرتهم وقد يبدو ذلك من قبيل الأمور الواضحة بالنسبة لغير الفرنسيين، فإن الكثير من المحافظين والأكاديميين في فرنسا يحتجون على هذا التعريف على اعتبار أن المنظمة إنما تُضعف بذلك نموذج الاندماج الفرنسي عبر تأكيدها على الاختلافات العرقية. وفي هذا السياق، تقول "فرانسواز فيرجيس"، أستاذة العلوم السياسية بجامعة لندن: "ثمة مقاومة في فرنسا لمواجهة مسألة العرق"، مضيفة: "ذلك أنها كلما طفت على السطح، مثلما حدث مع تأسيس مجموعة كران، تجد فوراً من يربطها بالتعددية الثقافية". ومما يُذكر أيضاً أن العديد من الفنانين الأميركيين السود كانوا ينظرون إلى فرنسا في عقد الثلاثينيات وما بعده على أنها الملاذ الأخير من العنصرية؛ حيث طغى موضوع علاقات العرق لسنوات على نقاشات المثقفين الفرنسيين. غير أن هذا النقاش ركز على تعامل فرنسا مع مستعمراتها الإفريقية والعربية ووضع الأراضي التابعة لها في المحيط الهادي. وعندما أصبحت المستعمرات بلداناً مستقلة، سُحب موضوع العرق من على طاولة النقاش العام. وتقول فيرجيس: "نحن نتحدث اليوم عن المواطنين السود، المواطنين الذين يحملون معهم تاريخاً آخر هو في الوقت نفسه تاريخ فرنسا"، مضيفة: "وهو بذلك شبيه بحركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة، ذلك أنه يثير سؤالاً عن معنى أن يكون المرء مواطناً". غير أن البعض يتوقع أن فرنسا ربما لن ترى سكانها السود يَتحِدون في إطار مجموعة ضغطٍ تتسم بالالتحام والانسجام أو يتطورون إلى كتلة انتخابية واحدة؛ إذ تشير مؤسسات استطلاع الرأي في فرنسا إلى أن السود يميلون عموماً إلى التصويت على غرار بقية السكان. وفي هذا السياق، يقول "بيير جاكوميتي"، مدير شركة "إيبسوس" لاستطلاعات الرأي: "في حال صوَّت الناس ككتلة على أساس اللون، فسيمثل ذلك تغيراً جذرياً في السلوك الانتخابي في فرنسا"، مضيفاً: "إلا أنه من غير المرجح أن يصوِّت السود ككتلة واحدة. وحتى إن فعلوا، فإن تأثيرهم سيكون هامشياً نسبياً لأن وزنهم الديمغرافي لا يضاهي وزن السود في الولايات المتحدة". سوزان ساش ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مراسلة "كريستيان ساينس مونيتور" في باريس ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"