درجت العادة أن تحشر المعارضة في أي بلد، وخصوصاً في لبنان، الحكومة في الجانب الاقتصادي والاجتماعي. فتهجم عليها وتحشد الناس ضد سياساتها وتتهمها بأنها غير إصلاحية ولا تملك رؤى وأفكاراً للحل والخروج من المأزق الذي تعيشه البلاد. إلا أن الصورة اليوم مختلفة جداً؛ فالحكومة اللبنانية رغم كل التحديات والظروف الصعبة التي يعيشها لبنان، وأجواء التشنج التي تميزها، بل وأجواء افتعال الفتن المذهبية والطائفية التي يخلقها البعض، ومع كل الاستهدافات التي تتعرض لها من الخارج -وخصوصاً من سوريا وإيران- ومن الداخل من حلفاء هاتين الدولتين، فقد أقدمت على إعداد برنامج اقتصادي اجتماعي متكامل لتقدمه إلى مؤتمر الدعم الدولي والعربي للبنان الذي سيعقد في الخامس والعشرين من الشهر الجاري في باريس والذي سُمي بـ"مؤتمر باريس 3 ". لا أقول إن هذا البرنامج لا يحتمل نقاشاً أو تعديلاً، ولا أدعي أنه يضع الحلول النهائية لكل شيء تعاني منه البلاد. لكنه بالتأكيد يشكل أساساً صالحاً ومهماً للخروج من الأزمة. وإذا قدر النجاح للمؤتمر كما هو مأمول، فسنكون أمام فرصة استثنائية جديدة للبنانيين لا يجوز التفريط فيها، بل يجب التوحد حول الاستفادة منها وذلك لمصلحة كل اللبنانيين دون استثناء. لست رومانسياً أو مثالياً إلى حد الادعاء أن ثمة شيئاً في الحياة، وخصوصاً في الحياة السياسية اللبنانية، يمكن فصله عن السياسة. والسياسة هي في الأساس الاهتمام بشؤون الناس وتنظيمها. ولكن الظروف التي نعيشها اليوم، وبعد أن تكرست الدعوات إلى عدم "التسييس" كمصطلح يستخدم منذ سنوات وفي مواجهة أي نوع من الأزمات، هذه الظروف التي وصلت فيها الأمور إلى حد عدم القدرة على دفع رواتب الموظفين، وبالتالي إلى حد خطر انفراط الدولة فعلياً لا يمكن مواجهتها بخفة أو بحقد أو بعناد أو بمكابرة أو بسياسة "عليَّ وعلى أعدائي"، ونحن لسنا أعداء لبعضنا بعضاً، أو بسياسة "أن ثمة من هو قادر على ترتيب أوضاع جماعته لأنه مدعوم من هذه الدولة أو تلك، وبالتالي هو قادر على التحمل أكثر، فيسعى إلى إلحاق أذى بفريق آخر يختلف معه سياسياً". هذا النوع من التفكير خطير. ولا يجوز الاستناد إليه في مقاربة الأزمات وأسبابها والحلول الضرورية لها؛ فلبنان ليس دولة تابعة لدولة أخرى، أو ملحقة بدولة أخرى، أو محافظة من دولة أخرى. ولبنان الشعب، هو شعب واحد، وليس فئات أو طوائف أو تيارات تعيش من دعم هذه الدولة أو تلك لتفرط دولتها. فإذا انفرط عقد الدولة خسر الجميع. وإذا كانت هيمنة خسر الجميع. تماماً مثلما أنه إذا استمر الخصام والصدام سيخسر الجميع. ولذلك يجب أن يفكر الجميع أن قيامة الدولة حتمية. وتستحق الصدق والتضحية في التعاون من أجلها. لقد مررنا في ظرف مشابه بين العامين 2001– 2002، وبذل الرئيس الشهيد رفيق الحريري جهوداً جبارة، واستخدم كل إمكاناته وعلاقاته الدولية والإقليمية الاستثنائية لتأمين عقد "باريس 2"، بعد أن كان قد كفل شخصياً الدولة اللبنانية أمام بعض المصارف -وهذه مسألة لا يعرفها الكثيرون- ونجح المؤتمر وساعد نجاحه لبنان وكان بداية طريق الخروج من الأزمة. لكن الذين لا يريدون قيامة لبنان ولا يريدون رؤية لبنان بلداً يسير نحو النمو والتطور الاقتصادي والاجتماعي فعلوا كل شيء لإسقاط مفاعيل المؤتمر ولإعاقة تنفيذ ما تم الاتفاق عليه. ولا أنسى في هذا السياق مواقف رئيس الجمهورية المعرقلة لكل شيء كان يُطرح في الإطار المذكور، والهجومات التي كانت تُمارس ضد الرئيس الحريري، ومحاولات التطويق التي كانت تستهدفه داخل مجلس الوزراء الذي تم تركيبه بما يسمح باستخدام كل أشكال "الفيتو" على ما لا يريده المعرقلون وبفرض ما يريدونه، وكان لهم دعم سوري استثنائي أثناء الإدارة السورية المباشرة للوضع في لبنان . لقد عانى اللبنانيون كثيراً ودفعوا جميعاً ثمن هذه السياسة وعدنا إلى وضع أسوأ من الوضع الذي كان قائماً قبل انعقاد "باريس 2". وأمام هذا الوضع، تخرج المعارضة إلى الشارع وراء الاتحاد العمالي، بعد أن وصلت المرحلة الأولى من تحركها إلى أفق مسدود باعتراف كل قادتها، على مستوى المظاهرات والاعتصامات والمهرجانات في قلب بيروت، وانعكس ذلك سلباً على سمعة وصدقية القوة الأساسية المحركة للمعارضة وهي "حزب الله". والاتحاد العمالي كان قبل التحرك الأخير مشكوكاً في صدقية تمثيله للعمال بعد تفريخ نقابات واتحادات "عمالية" لا أساس لدورها وفعاليتها، بل ثمة ضرورة لوجودها بطفرة عددية لتأمين الهيمنة على الاتحاد، الذي أطلق عليه أركان المعارضة رصاص الرحمة. فكان التحرك للمعارضة شبيهاً بما هو قائم في قلب بيروت لكن اليافطة هي للاتحاد العمالي. أما التنظيم والإشراف والخط على اليافطة وفي قلبها ووراءها فهو واحد. ماكينة "حزب الله"، هي الأساس والباقي يدور في الفلك أو يعتبر من عدة الشغل في هذه الورشة. انفضح الأمر. ليست المسألة مسألة عمال وحقوق عمال. وكثيرون من المتحركين الذين يرفعون شعارات مكافحة الهدر والفساد، كانوا جزءاً من مسببي هذه الآفة. وغيرهم في هذا الفريق مارسوا الحكم في سنوات سابقة وعليهم الكثير من الملاحظات والانتقادات والمسؤوليات تماماً مثلما على غيرهم في المقلب الآخر ملاحظات، لكن الأمور لم تعد تعالج بالاتهامات والاتهامات المتبادلة وبالشتائم وبالتشكيك بكل شيء دون الدخول في بحث جدي حول المعالجات. لقد تقدمت الحكومة، ولأول مرة في تاريخ لبنان بمشروع قانون إلى المجلس النيابي، ولم يناقش حتى الآن يقضي بالتعاقد مع شركات دولية للتدقيق في كل حسابات الدولة اللبنانية منذ عام 1990 وحتى تاريخه لتحديد كل الأمور والمسؤوليات، فيبنى على الشيء مقتضاه. وتقدمت الحكومة في برنامجها الحالي بمشاريع إصلاحية، تتطلب قرارات جريئة وشجاعة ومؤلمة ربما في بعض المجالات لكن لابد منها. وفي بعض القطاعات فإن مشروع الحكومة يتضمن أفكار وخطط الوزراء المستقيلين الذين قدموها إلى مجلس الوزراء وكانت جلسة خاصة لمناقشتها. ومع ذلك لم يناقش أحد من المعارضة الخطة الشاملة. لم يطرح بديلاً. لم يطرح حلولاً أو أفكاراً إضافية. استغل الأمر سياسياً وانتقل بعض الناس من الموقع الأساسي في قلب بيروت إلى مواقع أخرى وتغيرت اليافطة لكن الهدف واحد! لهذا السبب شعر كثيرون بالإرباك. وكان تناقض في مواقف بعض القوى في المعارضة أو بين بعضها. وكان استياء لدى آخرين. وكان شعور عام عند اللبنانيين والمراقبين بما قاله بعض أركان المعارضة! "لقد استفزتنا الحكومة وأحرجتنا بالموضوع الذي يؤلم. ويصيب كل الناس. وهجمت علينا بلقمة عيش الناس". إنه اعتراف في مكانه ولكن إدانة لأصحابه. فشتان بين أن تهجم الحكومة بلقمة عيش الناس لحمايتها وتأمينها بكرامة وبين أن يهجم الآخرون بلقمة عيش الناس ضد الحكومة، أو على لقمة عيش الناس لأنهم يريدون الحكومة، وفي هذه الحالة، فإنهم يعترفون بما يقومون به، وهذه خطيئة كبرى.