هل ستنحدر فلسطين إلى نكبة ثالثة، بعد ضياعها في حرب عام 1948، وضياع العرب في حرب عام 1967... ليضيع الشعب الفلسطيني نفسه في حرب أهلية عام 2007؟ هذا هو السؤال الذي ناقشه عدد محدود من المثقفين والإعلاميين المصريين في أحد المراكز الدراسية المتخصصة. كان ضيف النقاش واحداً من أبرز المسؤولين الفلسطينيين المستقلين، وهو يقضي معظم وقته حالياً في لقاءات مع كل من الرئيس "أبو مازن" ورئيس وزرائه إسماعيل هنية. رغم تردد المجتمعين في إعطاء إجابة شافية على هذا السؤال المحوري، فإن القلق والتشاؤم سادا هذا الاجتماع المغلق. وعادت بي الذاكرة إلى صباح 1 يوليو 1994، حين رأيت على شاشة التلفزيون "أبو عمار" ينزل من سيارة المرسيدس، بعد أن عَبرَ الحدود الفلسطينية- المصرية عند رفح، وهو يُقبِّل الأرض الفلسطينية... شعرت أن مرحلة جديدة قد بدأت في الكفاح الفلسطيني. عادت بي الذاكرة أيضاً إلى يناير 1996، حيث كانت تجرى أول انتخابات فلسطينية، وكان لي الشرف أن أكون أحد المراقبين الدوليين لها ضمن الوفد الذي رئسه آنذاك الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر. كان هذا يوماً تاريخياً فعلاً، حيث يرى المرء الرجال والنساء والشباب في شوق شديد للتصويت والمشاركة في بناء المجتمع الفلسطيني الذي طالما حلموا بميلاده. مع إجراء الانتخابات بطريقة منتظمة ومع إعلان النتائج، شعر الجميع -فلسطينيين وعرباً وأجانب- أننا فعلاً أمام تحول تاريخي. انقطع شريط الذكريات ليعيدنا نقاش الحاضرين إلى يومنا هذا، وهو قد يكون يوم تحوّل تاريخي أيضاً، ولكن يختلف هذه المرة كلياً عن سابقيه، فهذه هي فلسطين ضحية سلطة برأسين -"فتح" و"حماس"- حيث تحتوي كل رأس على عدة فصائل ذات أجندة خاصة بها، وفي حالة تصعيد متسارع من الجفاء والتخوين إلى المواجهة والاقتتال، حيث تشبه الصفوة الفلسطينية نموراً محصورة في قفص زجاجي هش محكومة قواعده من الخارج. يمكن لهذا القفص أن ينكسر في أي وقت بمن فيه ليتناثر كشظايا نحو الخارج ليصيب دول الجوار العربي وإسرائيل أيضاً. الكل إذن في مأزق، ولكن كيف وصلنا إلى هذا المأزق المخيف؟ مع التطبيق الأولي لاتفاقية أوسلو عام 1993، وصل إلى الأراضي الفلسطينية ما بين 14000 و18000 من أعضاء "منظمة التحرير الفلسطينية"، سواء كموظفين أو كمحاربين، وأصبح هؤلاء الصفوة الأساسية التي انتظرت طويلاً في الخارج، والتي شعرت أنها الأحق ببناء الداخل. فقد سيطر الرئيس عرفات على مفاتيح السلطة، وعيّن نفسه في البداية وزيراً للداخلية، وفي النهاية أصبح هناك ما يقرب من 25 وزارة، و8 أجهزة أمنية، و35 مؤسسة وحوالى 100.000 موظف. لكن مع الإخفاق في تحقيق هدف الاستقلال الوطني وعدم وضوح المعايير الموضوعية في التكليف والتعيين، اضمحلت شرعية السلطة الوطنية الفلسطينية نفسها، ووصلنا إلى وضع في غاية التناقض: تضخم بيروقراطي -خاصة في الأجهزة الأمنية- مع فراغ مؤسسي، وانتشرت الخلافات حتى قبل وصول حكومة "حماس" إلى الحكم، وكانت مفاجأة للداخل والخارج. لا تتميز "حماس" بسياسة مختلفة فقط، ولكن -وهذا هو الأهم- برؤية مختلفة أيضاً، فإذا كانت بعض أجهزة "فتح" حوّلتها من منظمة مقاومة إلى منظمة مفاوضة وحتى منظمة صفقات، فإن "حماس" حاولت أن تلغي التاريخ المعاصر وتبدأ -بدون أية واقعية- من البداية الأولى، وكأن الاتفاقيات الدولية الحديثة لم يتم إبرامها بواسطة سلطة منتخبة شرعياً. أساس النكبة الثالثة، إذن، ليس فقط تصادم السياسات ولكن قبل كل شيء تصادم الرؤى، حيث لا ينظر رأسا الحكم -"فتح" و"حماس"- إلى بعضهما بعضاً كشريكين، ولكن كبديلين، وبهذا المنطق فإن الحرب الأهلية الفلسطينية هي فعلاً أمامنا.