جميعنا تعلمنا في صغرنا في حصص المطالعة، ترديد بيت الشعر الشهير "بلادي وإن جارت عليّ عزيزة... وأهلي وإن ضنّوا عليَّ كرام". وجميعنا تلقينا على مقاعد الدراسة، دروساً في حصص التاريخ، عن عظمة الأوطان، وكيف أنها خط أحمر، محظور على أي كان المساس بأمنها، والتلاعب بمقدرات شعوبها، وفتح باب المزايدة عليها للأغراب مهما علا أو قلَّ شأنهم! ما الذي يجري اليوم على الساحة العربية؟! لماذا غدت نغمة النعرة الطائفية الأكثر حضوراً؟! لماذا خفتت نبرات العقلاء مقارنة بأصوات المتعصِّبين الجهوريّة؟! مَن بطل هذه الملاحم المأساوية؟! ومن وراء تأجيج النزعة الطائفية؟! لم أسمع طوال نشأتي داخل بيتنا، كلمة "سُني" أو "شيعي" على لسان واحد من أفراد أسرتنا، بل دوماً كانت تتردد على مسمعي كلمة سعودي. ولم ألحظ طوال مرحلتي الدراسية، وبين أروقة مدرستي، من تُشير إلى واحدة من زميلاتي، بأن هذه تنتمي للطائفة الشيعية، وتلك تنتمي للطائفة السُّنية. بل لا أبالغ إذا قلت بأن أقرب صديقة إليَّ على امتداد مراحلي الدراسية، والتي شاركتني محطات مراهقتي، كانت شيعية، ولم أدرِ بمذهبها إلا مؤخراً بعد أن شاعت موضة هذا شيعي، وذلك سُني، في عالمنا العربي! تقول لي صديقتي الشاعرة العراقية، التي تبثُّ لي همومها عبر رسائلها الإلكترونية: صدقيني، ما يجري داخل العراق اليوم شيء دخيل علينا. لم نستخدم طوال عمرنا هذه اللهجة الشاذة. لم يكن يكترث أحدنا إن كان جاره سُنياً أم شيعياً، وكنّا نتزاوج من بعضنا بعضاً دون أن نتطرق لهذه العصبية الجاهلية. لقد كانت المذهبية الدينية آخر اهتماماتنا! أهاتف صديقتي اللبنانية، للاطمئنان عليها، أقول لها جازعة: لمْ أعد أفهم أصول اللعبة التي تحدث في الخفاء؟! لمصلحة مَن ما يجري؟! تجيبني بمرارة: هذا قدَر لبنان يا صديقتي. الجمال في كل الدنيا، وعلى مدار التاريخ له طامعون. لبنان يدفع اليوم ضريبة باهظة لجماله الأخّاذ. أعود لسؤالها: لكن التجمعات القائمة في الساحات العامة تُقلقني، بل لا أبالغ إن قلت، إنها تُخيفني! تجيبني ساخرة: يجب أن تتوقعي كل شيء على أرض لبنان. إنه بلد العجائب، والتناقضات، وأيضاً بلد التسامح، والحريات. متابعة: لا تقلقي يا صديقتي، ثقي بأن هذا "المولد" سينفض في نهاية الأمر، وسينتصر لبنان بإرادة شعبه الصامد، العاشق للحياة. تصلني عبر بريدي الإلكتروني، مقالات متنوعة لكُتّاب عرب من شيعة وسُنة، أتعجّب من نبرة التطّرف التي تندسُّ بين سطور مقالات بعضهم، وانحياز كل طرف لمذهبه الديني، وتعمُّدهم زرع فكرة المزايدة على الأرض، من خلال تأجيج النزعة الطائفية، بين أبناء الشعب الواحد. فهل دور المثقف الحقيقي، يكمن في إشعال ثقاب الطائفية، أم في الدعوة إلى التسامح، ونبذ التفرقة، والتأكيد على وجوب احترام كل طرف للآخر، مهما كان مذهبه، أو عرقه، أو دينه؟! هل أبالغ في تشاؤمي، أم أن الصورة بالفعل قاتمة؟! لماذا لا أقتدي بصديقتي اللبنانية، في زرع شيء من التفاؤل بداخلي المتوجّس؟! كم أتمنى أن نتعامل مع بعضنا بعضاً من منطلق أننا أبناء وطن واحد، وأن بلداننا العربية تقوم على أجناس متنوعة في أعراقها وأديانها ومذاهبها، وهو الدور الذي يجب أن يلعبه مثقفونا، بإشاعة هذه الثقافة المتحضرة بين الأجيال الجديدة، حتّى تشبَّ على تقبّل الاختلاف مهما كان نوعه، كون التمادي في إشاعة هذه الفوضى سيؤدي إلى المزيد من الدمار، وسينتهي الأمر بانهيار المعبد فوق رؤوس الجميع دون أن يستثني أحداً!