التعديلات الدستورية المقترحة من رئيس الجمهورية في مصر والمعروضة أمام مجلس الشعب والشورى بالإضافة إلى طرحها للمناقشة في الأحزاب السياسية والرأي العام عبارة عن فصل من فصول الإصلاح السياسي المتعددة. ولو أردنا أن نعطي تعريفاً علمياً للإصلاح السياسي في مصر لقلنا إنه الانتقال من نظام سلطوي إلى نظام ليبرالي -ومن المعروف أن النظم السياسية تصنف إلى نظم ثلاثة رئيسية هي: النظم الشمولية، والنظم السلطوية، والنظم الليبرالية. والتوصيف الدقيق للنظام السياسي المصري منذ ثورة يوليو 1952 أنه نظام سلطوي بدأ ينفتح على آفاق ليبرالية منذ عهد الرئيس السادات الذي فتح الباب لقيام المنابر المتعددة، ثم الأحزاب السياسية، التي رأى أنها لا تخرج عن اليمين والوسط واليسار. وبغض النظر عن النشأة السلطوية للأحزاب السياسية المصرية، إلا أن جدل الممارسة جعلها تتجاوز الإطار الجامد الذي وضعته السلطة. وإذا كنا في علم السياسة نطلق على عملية التحول الديمقراطي "الإصلاح السياسي"، فإننا في علم الاجتماع نطلق عليها "التغيير الاجتماعي المخطط". ونرى أن هذا المفهوم أكثر دلالة من مفهوم "الإصلاح السياسي". وذلك لأن التحول الديمقراطي في معناه الحقيقي لا يجوز أن يقتصر على مجموعة من التعديلات الدستورية، لأنه في الواقع -إن أريد له أن يكون تحولاً حقيقياً- لابد له أن يتطرق إلى مجالات السياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة. وإذا كان من المتفق عليه أن الدستور ينظم العلاقات بين سلطات الدولة التشريعية والتنفيذية والقضائية، وكذلك بين الدولة والمواطنين من زاوية الحقوق والواجبات، فإنه في لحظات التحول التاريخية لابد له أن ينهى على طبيعة النظام الاقتصادي، ونوعية العلاقات الاجتماعية التي يحميها بالقانون، وطبيعة الثقافة التي ينحاز لها ومن ثم يمكن القول إن مفهوم التغيير الاجتماعي المخطط أصدق من الدلالة من مفهوم الإصلاح السياسي. ولا يمكن لنا أن نفهم ما تنطوي عليه عملية التعديلات الدستورية بغير أن نستعين بنظريات ومفاهيم علم الاجتماع القانوني الذي يدرس القانون باعتباره نسقاً اجتماعياً مثله مثل النسق السياسي والاقتصادي، وقد استقر علماء الاجتماع الذين اهتموا بدراسة القانون على منهج رباعي الأبعاد يسمح بالدراسة المتكاملة لأي قانون وبالتالي للدستور والذي إن كان أبو القوانين في الدولة، إلا أنه يسري فيما يسري على التشريعات العادية. والإطار الذي تم الإجماع عليه لدراسة القانون يتطرق لأربع عمليات متكاملة وهي صياغة القاعدة القانونية، والإعلام بالقاعدة القانونية، وتطبيق القاعدة القانونية، وأخيراً الآثار التي تترتب على تطبيق القاعدة القانونية مع الالتفات إلى النتائج المقصودة والنتائج غير المقصودة. وتكاد عملية صياغة القاعدة القانونية أو القاعدة الدستورية ما دمنا نتحدث عن التعديلات الدستورية أن تكون أهم هذه العمليات جميعاً. فصياغة هذه القاعدة ينبغي أن تقوم على أساس مبدأ أساسي في التشريع وهو أهمية مراعاة توازن المصالح. وتطبيق هذا المبدأ على الدستور معناه توازن المصالح بين الدولة والمواطنين المخاطبين بالدستور فلا يجوز صياغة القواعد الدستورية لكي يحمي "مصالح الدولة" كما تدركها نخبة سياسية حاكمة في مرحلة تاريخية ما حتى لو كان ذلك على حساب مصالح المواطنين. وحين يصرح أحد الوزراء منذ فترة قريبة أن الإصلاح الاقتصادي سيكون له ملايين الضحايا، فمعنى ذلك تغليب مصلحة الدولة في الإصلاح على مصالح الملايين من أبناء الشعب. وحتى لا يكون الحديث على سبيل التجريد تقرر أن سياسة الخصخصة مهما كان عائدها المالي مغرياً ومطلوباً لسد عجز الموازنة أو لضخه في مجال الاستثمار، فإنه إن ترتب عليها تشريد العاملين أو إحالتهم قسراً إلى المعاش المبكر، فإنها تكون سياسة خاطئة لأنها لم تراعِ مبدأ توازن المصالح. ومن ناحية أخرى فإن تطبيق مبدأ توازن المصالح في المجال السياسي يترتب عليه ألا توجه التعديلات لتضمن هيمنة قرب الأغلبية على مجمل الفضاء السياسي، من خلال تقييده لنشأة الأحزاب، أو وضعه القيود أمام حركة المجتمع المدني. وتوازن المصالح في المجال الاجتماعي يدعو لإزالة كل أسباب التمييز بين الرجل والمرأة وتمكين المرأة حتى تسهم في كل مجالات التنمية وأخيراً إعمال هذا المبدأ في المجال الثقافي يدعو لفتح أبواب حرية التفكير وحرية التعبير حتى يتم التفاعل الفكري بين التيارات الإيديولوجية المختلفة، غير أن عملية صياغة القاعدة الدستورية تفترض أن تعرض للنقاش أمام المخاطبين بها. وإذا كانت السلطة قد طرحت التعديلات الدستورية للنقاش لعام، فيبقى أن تتضاعف الجهود من قبل الحزب الحاكم وباقي الأحزاب السياسية ومؤسسات المجتمع المدني لإثارة نقاشات شعبية واسعة المدى حولها حتى يعرف المواطنون حقوقهم وواجباتهم. والعملية الثانية في الإطار المقترح هي تطبيق القواعد الدستورية. وهناك في هذا المجال ملاحظات متعددة حول دساتير عربية متعددة زاخرة بالنصوص التي تحمي الحريات السياسية وحرية المواطنين غير أنها لا تجد سبيلها إلى التطبيق! ونعني على وجه التحديد اتجاه السلطة أحياناً إلى تجميد العمل بنصوص الدستور، أو الانحراف في تطبيقها، وتصبح بالتالي –كما هو التعبير القانوني– نصوصاً ميتة! غير أن مراعاة التطبيق السليم للقواعد الدستورية وإن كان مسؤولية السلطة، إلا أن مهمة الرقابة على تطبيق الدستور هي مهمة المجتمع كله، وفي مقدمته الأحزاب السياسية ومؤسسات المجتمع المدني والمواطنون، وقبل ذلك كله البرلمان بمجلسيه، مجلس النواب ومجلس الشيوخ. وتأتي بعد ذلك للعملية الثالثة وهي الإعلام بالقاعدة الدستورية، وقد قررنا بهذا الصدد أنه في مرحلة صياغة القاعدة الدستورية لابد من طرحها أمام المخاطبين بها. غير أنه أهم من ذلك الإعلام بالقواعد الدستورية بعد الانتهاء من صياغتها وصدورها بشكل قانوني، حتى يعلم المواطنون جميعاً بأبعادها. وتصل أخيراً إلى العملية الرابعة وهي أهمية قياس الآثار التي تترتب على تطبيق التعديلات الدستورية والنتائج المقصودة وغير المقصودة بها. وهنا لابد من طرح السؤال الرئيسي: هل –بعد فترة من الزمن– نجحت التعديلات الدستورية في العبور بالمجتمع إلى الديمقراطية، وهل تم إحياء الثقافة السياسية في ضوء القبول بالتعددية، وزوال ثم الخنوع للسلطة والخوف من بطشها، وزيادة معدلات المشاركة السياسية، وتأسيس مبدأ تداول السلطة؟ هذه الأسئلة الحاسمة هي التي ستحكم على صحة اتجاه التعديلات الدستورية. دراسة وتحليل العلاقات الجدلية بين الدستور والمجتمع تحتاج في الواقع إلى ما نطلق عليه المنهج التاريخي النقدي المقارن. المنهج التاريخي يكفل لنا من خلال تعقب مختلف المراحل التاريخية التي مر بها مجتمع ما وحركة التطورات التي لحقت بعملية صياغة القواعد الدستورية عبر الزمن، مع الحرص على تحديد لحظات القطيعة التاريخية. في مصر على سبيل المثال يعد إصدار الدستور الليبرالي عام 1923 لحظة تاريخية فاصلة، وكذلك لحظة سقوط هذا الدستور بعد قيام ثورة يوليو 1952. ومن ناحية أخرى فالتعديلات التي أدخلها الرئيس السادات وسماحه بتكوين أحزاب سياسية متعددة لحظة فارقه أخرى. كما أن مبادرة الرئيس مبارك بتعديل المادة 76 من الدستور المصري الحالي بما يبيح أن تكون الانتخابات الرئاسية تعددية وإجراء أول انتخابات لرئيس الجمهورية على أساس تعددي تعد تطوراً تاريخياً بالغ الأهمية. ولكن لابد بالإضافة إلى المنهج التاريخي إعمال قواعد المنهج النقدي وذلك للكشف عن المنطلقات الإيديولوجية والتغيرات السياسية التي أدت إلى التعديلات الدستورية في مختلف المراحل التاريخية. ويبقى المنهج المقارن الذي إما أن يقارن مرحلة تاريخية معاصرة بمراحل تاريخية مر بها نفس المجتمع، أو يقارن الدستور في بلد ما بالدساتير في العالم، لكي يتم قياس التقدم على أساس موضوعي. ويبقى حكم التاريخ في النهاية هو الذي يفرق بين الاتجاهات الدستورية الزائفة والاتجاهات الدستورية الصحيحة.