في زيارتي الأخيرة لواشنطن وجدت أمامي أمة تشعر بالإنهاك الناتج عن تأثير الأنباء التي تتوالى عن المعركة البعيدة التي تزداد قرباً مع سقوط كل جندي قتيل. كما وجدت هناك إدارة كلَّت من الصراع الذي يدور داخل الحكومة العراقية، التي تبدو وكأنها قد عجزت عن تحقيق أبسط الاتفاقات. الفوضى والخراب الطائفي اللذان ابتلي بهما شعبي، يتحولان الآن على نحو بطيء إلى مجرد أرقام في عناوين رئيسية عابرة، كما أننا نحن ذاتنا نتحول إلى أمة يقضي شعبها كل يوم وقتاً في التفكير في الموت أكثر من ذلك الذي يمضيه في التفكير في الحياة. ومن أسف أن العديد من الأميركيين باتوا يعتقدون أن إنقاذ العراق لم يعد أمراً ممكناً، لأن الحرب الأهلية فيه غدت أمراً لا مفر منه. وأود هنا أن أشير إلى التالي: أولاً، أن أمتينا (العراقية والأميركية) قد استثمرتا الكثير ولم يعُد من المنطقي الانسحاب من المعركة الآن، فخسارة تلك المعركة معناها أن استقرار المنطقة برمتها سيهتز. ثانياً، على الرغم من الفوضى السائدة في بلادي، فإن أحداً لا يستطيع أن يدّعي أن جميع جسور الوطنية قد أُحرقت. فالعراقيون لا يزال لديهم العديد من الروابط مع بلدهم المحبوب، وليس فقط مع طوائفهم وأصولهم العرقية. والدليل على وجود المشاعر الوطنية تبدى أخيراً في ميدان كان أبعد ما يكون عن التوقع. فخلال دورة الألعاب الآسيوية التي عقدت في قطر الشهر الماضي، ساد الهدوء العراق، حيث اتحد المواطنون العراقيون كإخوة خلف فريقهم الوطني لكرة القدم، الذي تمكن على الرغم من جميع الصعاب من شق طريقه إلى النهائيات. إن هذا الفريق لم يكن يلعب باسم ميليشيا أو طائفة ولكنه كان يلعب باسم رمز هو الأمة العراقية. وعلى رغم أن اللاعبين لم يفوزوا بالميدالية الذهبية في مسابقة كرة القدم، فإنهم كسبوا ما هو أسمى وأجل من ذلك، ألا وهو إعادة الأمل للعراقيين جميعاً. لقد كان الجميع من الأطفال في الشوارع، إلى الآباء، إلى السياسيين، قلباً واحداً اجتمع على حب الوطن. إن هذا يؤكد لي أننا لم نخسر كل شيء بعد، وأن هناك شعوراً راسخ الجذور من الوطنية كامناً في أعماق جميع العراقيين، ويجب علينا أن نعيد إشعال جذوته في الصدور. من الصحيح أن هناك إرهاباً لا نظير له يحتدم الآن في العراق، وأن العراقيين يقتلون بعضهم بعضاً على أساس الهوية الطائفية والعرقية. ومن الصحيح أيضاً أن العنف يحول دون استمرار عمليتي إعادة البناء والتنمية الاقتصادية، وأن العراقيين منقسمون حول العديد من الموضوعات الجوهرية مثل المصالحة والكيفية التي يمكن بها تحقيق الأمن. على الرغم من جميع الصعاب، فإننا نحن العراقيين كنا قادرين على إقامة اللبنات الأساسية لديمقراطيتنا الوليدة من خلال كتابة الدستور، وتشكيل البرلمان بناء على هذا الدستور، ومنح التصويت بالثقة إلى الحكومة من خلال البرلمان المنتخب. ليس من العدل أن يتم النظر إلى العراقيين باعتبارهم تجسيداً للعديد من حالات الفشل وغض الطرف عما حققوه من نجاحات. إن مولد أمة جديدة ليس بالأمر الميسور. ومثلما أصبحت أمتكم منارة للديمقراطية في العالم فإننا نأمل أن يصبح العراق منارة للديمقراطية ذات يوم. لم يضِعْ كل شيء بعد، والتخلص من النفوذ الإقليمي هو الطريق الوحيد لإعادة العراقيين إلى رشدهم. إننا نتفهم السبب الذي يجعل بعض الأميركيين يحسون أنه من الصعب عليهم أن يؤيدوا استراتيجية تؤدي إلى إطالة وجود قواتكم في العراق. نحن لا نريد أن نقف في طريق عودة قواتكم إلى الوطن، ولكن ما نود أن نقوله هو إن قراركم في هذا الشأن يجب ألا يتم اتخاذه تحت ضغط السيارات المفخخة وعمليات الخطف لأن السحب المفاجئ للقوات سيؤدي إلى خلق فراغ أمني في العراق لا يمكن لقواتنا أن تتعامل معه وسيتم ملؤه بالتالي بواسطة المتطرفين وهو ما لا يخدم مصالح العراق، ولا مصالح الولايات المتحدة الأميركية. إذا ما كان هناك شيء تعلمناه من لاعبي الفريق الوطني العراقي، فإن هذا الشيء هو أن الاستراتيجية السليمة للتخلص من الطائفية ودعم الوطنية تمثل مفتاح الحل. وإعادة تأسيس القوات المسلحة العراقية ثم إصلاحها وإعادة تدريبها وتسليحها بطريقة سليمة، يجب أن يكون هو المكون المركزي في هذه الاستراتيجية. من ضمن المكونات الأخرى ذلك الخاص بمراجعة الدستور العراقي من أجل إعطاء حكومتنا المركزية صلاحيات فعالة مع الحيلولة في نفس الوقت دون تحول رئيس الوزراء إلى ديكتاتور. إن الصلاحيات التي يمتلكها رئيس الوزراء العراقي في الوقت الراهن يجب أن تخضع للمراجعة لضمان أن كل أصحاب الحقوق يمكنهم المشاركة بنصيب في الحكم. وبعد ذلك كله تأتي النقطة الخاصة بحكم القانون والتي تعتبر مركزية هي الأخرى. كما نحتاج أيضاً إلى تحقيق مصالحة على النمط الجنوب أفريقي أو الأيرلندي، و إلى العناية بالنواحي الاقتصادية لأن تحسين الاقتصاد والقضاء على البطالة هما الوسيلة لإبعاد الشباب العراقي عن المتمردين، على أن يسبق ذلك كله القيام بمجهود منسق من أجل تأمين بغداد التي أصبحت ملاذاً لأنشطة الإرهابيين والمليشيات. ويجب على الحكومتين الأميركية والعراقية أن تعمل على تصنيف المليشيات وتعاملها وتحاربها بنفس الطريقة التي تحارب بها الإرهابيين الآخرين. هناك حاجة لخطة شاملة لإنقاذ العراق من كارثة. وآمل أن تكون الإدارة الأميركية قد نظرت في كل تلك الموضوعات الحيوية وأن تكون الاستراتيجية الجديدة قادرة على معالجة تلك الموضوعات بفعالية. طارق الهاشمي ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ نائب رئيس الجمهورية العراقية ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"