إنها كالنكتة المعروفة عن شاب أراد إغراء حسناء بالزواج منه، فعرض عليها وثائق تؤكد أن والده المليونير على وشك الموت، وهو وريثه الوحيد، واكتشف بعد يومين أن الحسناء تزوجت والده. هذه قصة تكنوقراطيين عراقيين تعاونوا مع الاحتلال الأميركي للعراق على أمل استلام الحكم فوجدوا المليشيات المسلحة قد سبقتهم إلى "المنطقة الخضراء". كيف يفكر هؤلاء التكنوقراطيون الآن، وما هي مشاريعهم لإنقاذ العراق من حمامات الدم التي يتحمّلون مسؤوليتها السياسية والأخلاقية على الأقل؟ تجيب عن ذلك مقالة مهمة صدرت قبل أيام في صحيفة "الإندبندنت" البريطانية عنوانها "للمرة الأولى: مخططٌ حقيقيٌ للسلام في العراق". كتب المقالة علي علاّوي، وهو رجل أعمال وخبير اقتصادي تولى منصبي وزير التجارة والدفاع في أول حكومة بعد الاحتلال عام 2003، واختير لمنصب وزير المالية في ما سُمي "الحكومة الانتقالية" عام 2005. ويقرُّ علاّوي بـ"الوضع الرهيب" الذي سببه الغزو، وسوء إدارة ما تُسمى "إدارة التحالف الانتقالية" والحكومات التي أعقبتها. لكن الحجم الكبير للمشكلة الراهنة يعود، حسب تقديره إلى نهاية الدولة العراقية، والتي كانت قد نشأت بعد الحرب العالمية الأولى، وصراع الدولة، التي تولد الآن وسط الأزمات والفوضى. وقد أدّى ذلك إلى ظهور مسائل تتحدّى عملية إعادة تكوين العراق، وتؤثر بشكل أو بآخر على دول المشرق العربي، وكذلك على تركيا وإيران، وعلى العلاقات بين الأخيرة والدول العربية. ويذكر علاّوي، وهو ابن عم إياد علاّوي رئيس الوزراء الأسبق، وابن أخت أحمد الجلبي نائب رئيس الوزراء السابق، أن الغزو مال بميزان القوى لصالح الشيعة الذين ظهروا الآن كأغلبية حاكمة، كما أضفى الغزو شرعية على الوضع شبه المستقل للأكراد. ترافق ذلك مع مساعي إيران لتقوية نفوذها، وردود الأفعال عليها لدى دول المنطقة التي تخشى الهيمنة الإيرانية، ونشوء ما يُسمى "الهلال الشيعي". وهكذا بدلاً من إحلال نظام ديمقراطي ليبرالي تحتذيه دول المنطقة، تحول العراق في رأيه إلى خطر يهدد بالزحف نحوها. وبذر الوضع الحالي بذور مئة عام قادمة من أزمات قد تلقي بالشرق الأوسط في أتون اضطرابات، وكراهية، وبغضاء، ومسلسلات الموت. وقد يؤدي هذا الوضع في تقديره إلى ملاحقة الشيعة الذين يمثلون أقليات في دول الخليج. ويعتقد علاّوي أن المقاومة الوطنية للاحتلال تعبير عن استياء العرب السُّنة في العراق من فقدان السلطة. ويرى أن رفض السُّنة للانخراط في النظام السياسي الجديد أدى إلى انتقال الدولة إلى أيدي الجماعات الشيعية الإسلامية التي تزحف الآن إلى داخل غرب بغداد، وتهدد بالسيطرة الكلية للشيعة على العاصمة بغداد. الأمر الوحيد، الذي يوقف الحلزون الدموي، في تقديره، هو جلب مزيد من القوات الأميركية لوقف تغلغل المليشيات الشيعية إلى المناطق المختلطة أو السُّنية. ودعا في تصريح لفضائية "سي إن إن" إلى زيادة حجم القوات الأميركية في العراق إلى نصف مليون. لكن معظم التوقعات تشير إلى أن الزيادة التي يأمر بها الرئيس بوش لن تزيد كثيراً عن 20 ألفاً، ليصبح مجموع القوات الأميركية في العراق حوالي 160 ألفاً. ورغم أن هذا يقل عن ثلث العدد المطلوب، فإنه يواجه معارضة قوية من الكونغرس الذي يسيطر عليه "الديمقراطيون". ولا تحلُ المشكلة، حسب اعتقادي زيادة عدد القوات الأميركية، بل فيما إذا كانت واشنطن مستعدّة، أو قادرة على أن تلعب دور عرَّاب السلام في العراق والمنطقة. وقد تجيب عن هذا السؤال عملية إعدام الرئيس العراقي الأسير صدّام حسين، والتي عمّقت الانقسامات، ليس بين العراقيين فقط، بل على صعيدٍ عالمي. بلغ ذلك حتى مسؤولين في أعلى المستويات في دول، كبريطانيا، المشاركة الرئيسية في حرب العراق. ففي حين عبَّرت مارغريت بيكيت، وزيرة الخارجية البريطانية عن مباركتها للإعدام، أدان ذلك بشدة غوردون براون، وزير الخزانة، والمرشح لخلافة رئيس الوزراء توني بلير، المضطر إلى التخلّي عن الحكم، بسبب تورّطه في حرب العراق. ونشرت "صحيفة "الغارديان" البريطانية، إلى جانب مقالة لبراون، تعليقاً مشبوباً للروائية والكاتبة السياسية "هيفاء زنكنة" اعتبرت فيه عملية إعدام صدّام حسين "جريمة". وذكرت الأديبة العراقية، وهي من قبائل زنكنة الكردية التي كانت تحكم إمارة تحمل اسمها في شمال العراق، أنها سُجِنت وعُذّبت في معتقل "أبوغريب" زمن النظام السابق، لكن ذلك لم يمنعها من رؤية كيف أفلح صدام حسين في اللحظات الأخيرة من حياته أن يطبع صورته في ذهن مليار مسلم يحتفلون بصباح اليوم الأول من العيد الأضحى. وقالت "لن يمرّ عيدٌ بعد اليوم من دون أن يتذكر الناس إعدامه". ورغم الانقسام الحاد بين العراقيين فأنا أعتقد بأنهم، لو تُركوا لوحدهم، فإنهم قادرون على الخروج بأنفسهم من حمامات الدم التي أغرقهم فيها الاحتلال. وأتفق مع علاّوي في أن هذه هي الخطوة الأولى لحل معضلة العراق. فالحلُّ ينبغي أن يتم داخلياً، ثم على المستوى الإقليمي. وهي مسألة مهمة جداً، فالمستويان متصلان، ويقود حلّ أحدهما إلى حل الآخر. ويُمهّدُ هذا للخطوة الثانية، وهي الاعتراف بقوة الشيعة والأكراد التي أطلقها الغزو، في رأي علاّوي. وأعتقد أن العراقيين الذين يحملون ربما في تركيبهم الوراثي "الجيني" مرونة التعامل مع تغيرات قصوى في تاريخهم، قادرون على التكيف مع هذه الوقائع. وقد قاد نضال العراقيين، من جميع القوميات والأديان والمذاهب، إلى تحقيق مشروع الحكم الذاتي للأكراد في سبعينيات القرن الماضي، والذي لم يتحقق لحد الآن ما يماثله في بلدان المنطقة التي يسكنها ملايين الأكراد. الخطوة الثالثة لحل المعضلة العراقية يراها علاّوي بتقديم ضمانات تقنع العرب السُّنة بعدم تهميشهم، وإعطائهم آليات لرصد وضبط وتصحيح أي علامات للتمييز ضدهم. هذا أمر مهمٌ جداً، لكنني أختلف معه في قوله إن العرب السُّنة أصعب من الشيعة في التعامل مع تغير توازن القوى في العراق. فالصعوبة التي يواجهها العراقيون سُنة وشيعة، وأرجو أن أكون مخطئاً، هي التراث الشيعي القائم على مناهضة الدولة وعدم الاعتراف بها. ويتغذى هذا التراث ذاتياً على النزعة الاستقلالية للطائفة الشيعية التي يفضل كثير من أبنائها الأعمال، أو ما يسميه العراقيون "المهن الحرة". وهذا ليس مجرد تراث إيديولوجي تحرسه ما تُسمى "التقية"، بل عنصر استراتيجي في الصراع الجيوسياسي في المنطقة، والذي جعل العراق عبر التاريخ، كغرفة "المقاصّة" في البنوك. وعندما يحالف التوفيق العراقيين في إدارة هذه "المقاصة"، تقوم حضارات عظمى؛ كالسومرية والبابلية والآشورية والإسلامية. والمعضلة الكبرى التي يواجهها العراقيون وسكان المنطقة العربية الإسلامية منذ أكثر من قرن، تكمن في محاولات البريطانيين والأميركيين "تجيير" هذه "المقاصة" لحسابهم. وأخشى أن يلقى "مخطط السلام الحقيقي في العراق"، مصير مخططات وبرامج عدة وضعها تكنوقراطيون عراقيون بتكليف من الخارجية الأميركية، وألقاها حاكم الاحتلال بول بريمر في سلة المهملات.