انعكست التطورات الاقتصادية التي شهدتها دولة الإمارات خلال السنوات القليلة الماضية في ارتفاع كبير ومباشر لمتوسط نصيب الفرد من الدخل القومي، كما أصبح هناك تنوع نسبي في مصادر الدخل، الأمر الذي أسهم في اتساع طبقة الأغنياء، التي تضم حالياً أكثر من 59 ألف مليونير، بثروات تقدّر بنحو 1.5 تريليون درهم. ومع محافظة أسعار النفط على مستوياتها الحالية والطفرة الاقتصادية الشاملة، التي يتوقع أن تشهدها الدولة، خلال المرحلة المقبلة، فإن هذا سيكون له أكبر الأثر في إيجاد بيئة عمل نشطة، ما يعني مزيداً من الثروات الخاصة، حيث يتوقع تقرير الثروة العالمية لهذا العام نمو ثروات الأثرياء في الإمارات بنحو 8% سنوياً حتى عام 2010، بزيادة 2% على المعدل العالمي المتوقع لهذه الفترة. لقد أسهمت العديد من العوامل في حفز نمو أصحاب الثروات في دولة الإمارات، ومن أهم هذه العوامل النمو الاقتصادي القوي الذي شهدته الدولة خلال السنوات الماضية، إضافة إلى انتعاش أداء قطاع النفط والتوسّع السكاني الذي ساعد على تعزيز قوة نمو الإنتاجية، كما أن ارتفاع الطلب في أسواق العقارات المحلية أسهم بدوره في دفع عجلة النمو ليزداد أصحاب الملايين وينمو عددهم بمعدل هو الأعلى في تاريخ دولة الإمارات. إن نمو طبقة الأثرياء في الدولة صحبته ثلاث مفارقات في غاية الأهمية: الأولى أن النساء يشكلن 60% من عدد المليونيرات في دولة الإمارات، حيث كشفت تصريحات المسؤولين، على هامش معرض "مليونير الإمارات 2006"، الذي عقد مؤخراً، عن أن عدد السيدات اللاتي يمتلكن أكثر من مليون دولار نقداً في الدولة يبلغ نحو 35400 مليونيرة. أما المفارقة الثانية فإن النمو الكبير في ثروات الأغنياء صحبه اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، ما يعني أن الطفرة الكبيرة في متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي لم تنعكس على مستويات الرفاه بالنسبة إلى شريحة كبيرة من المواطنين، بل انخفضت مستويات الرفاه لهذه الشريحة في ظلّ الارتفاع الكبير الذي شهدته أسعار العديد من السلع والخدمات الأساسية في السوق المحلية خلال المرحلة الماضية. أما المفارقة الثالثة فتتمثّل في توقف دور الأثرياء في تنمية المجتمع عند جهود فردية محدودة ومبعثرة، ما يثير تساؤلات عدة حول هذا القصور. هذه المفارقات بدورها تطرح تحدّيات كبيرة، تتطلّب العمل في أكثر من اتجاه: أولاً، في ظل ما تشهده الساحة الاقتصادية المحلية من تحرر وانفتاح، يتوقع أن تزداد الفوارق الاجتماعية خلال المرحلة المقبلة، ما يحتّم ضرورة إعطاء أولوية قصوى لردم هذه الفجوة، وهذا بدوره يتطلّب تنظيم وتطوير سوقي الإنتاج والعمل لتكونا أكثر مواكبة لمتطلبات المرحلة المقبلة، خاصة أن السوقين يعانيان خللاً كبيراً، يقف عائقاً أمام رفع مستويات الدخل لشريحة كبيرة من المواطنين. ثانياً، مع النمو الكبير في طبقة الأثرياء من النساء، فلابد من الانتقال إلى مرحلة نوعية جديدة في إعطاء المرأة دوراً أكبر في مؤسسات وشركات الدولة لتوظيف ثروات هذه الطبقة من المجتمع، والتي لا تزال معطلة إلى حدّ كبير بسبب ضيق الفرص الاستثمارية، خاصة في ظل الكساد الذي ضرب أسواق الأسهم منذ مطلع العام الحالي. ثالثاً، زيادة دور الأثرياء في تنمية المجتمع وتحمّل مسؤولياتهم الاجتماعية تجاه المجتمع المحلي. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.