هناك الكثير من الأساليب السيئة التي يستطيع بها الكونجرس الاستجابة لتصعيد الرئيس بوش، لعملياته العسكرية في العراق دون شك. غير أن هناك طريقة لائقة ومهذبة، تتلخص في أن يحدد سقفاً مالياً لحجم الإنفاق طويل الأمد على العراق –ولنقل في حدود 500 مليار دولار- شريطة أن يدرك بوش أنه لن يحصل على سنتٍ واحد، فوق ذلك السقف. ودون أن نتوقف لنحسب حجم تكلفة التصعيد العسكري هناك، فسنفاجأ بأن تلك التكلفة قد بلغت حوالي 350 مليار دولار، بحلول موسم الربيع المقبل! ولهذا فإن تحديد سقف مالي لحجم الإنفاق طويل الأمد على عملياتنا العسكرية الجارية في العراق، هو السبيل الوحيد لإرغام الرئيس على إدراك حقيقة عدم استعداد الشعب الأميركي لإعطائه شيكاً مفتوحاً، لتلك السلسلة التي لا تنتهي من الأخطاء التي يواصل ارتكابها هناك. وحتى هذه اللحظة، فنحن واقعون ضحية وصفة زائفة للتصدي لهذه المشكلة: فإما أن يسارع الكونجرس إلى وقف فوري للإنفاق على تلك العمليات العسكرية، أو أن يترك الحبل على الغارب، لكي يفعل الرئيس ما يشاء، ويواصل إنفاقه غير المحدود على ما يؤمن به من تصعيد عسكري. ولكن لنذكر دائماً أن هناك طريقاً ثالثاً للخروج من هذا المأزق المالي. ويتمثل هذا الطريق، كما سبق القول، في أن يحدد الكونجرس سقفاً مالياً لا سبيل لتجاوزه، ويترك الأمر والخيارات للرئيس بوش وجنرالاته، كي يحددوا أفضل السبل لإنفاق مواردهم المحدودة تلك. هذا وقد مُنح الرئيس وقتاً كافياً لتخطيط وتنفيذ استراتيجيته الحربية والسياسية في العراق. ومن المفهوم أنه لن يكون في وسعه الاستمرار في إدارة حربه دون أن يتوفر له التمويل اللازم لذلك. ولهذا السبب، فإن عليه إما أن يحرز نجاحاً ويفوز بحربه، أو أن يخطط لاستراتيجية خروج لائقة وعملية. ومن دون اتخاذ خطوة كهذه، فإن الرئيس، على الأرجح، سيتحدث إلى الكونجرس مرة أخرى قائلاً، إن العراقيين يحرزون تقدماً ملحوظاً على طريق الاستقرار والتحول السياسي الديمقراطي. لذلك وما أن تنفد المخصصات المالية المرصودة لمساعدة العراقيين، حتى يسارع بمطالبة الكونجرس بالتصديق على مبلغ 57 مليار دولار إضافي، وإلا فسيتحمل الكونجرس، مسؤولية حدوث أية انتكاسة ناجمة عن نقص التمويل. ولكن الشاهد أننا قد تعلمنا من مثل هذا الدرس ما يكفي، وأنه لم يحدث مطلقاً أن تم تمويل الحرب بالاستقامة والوضوح المطلوبين. وليس أدل على ذلك من رفض الإدارة أن تقدم للكونجرس قائمة محددة وقاطعة، بمتطلباتها وحاجاتها المالية، حسبما تقتضيه الإجراءات المرعية والمتبعة في الحصول على التصديقات المالية. واعتماداً على حجة صعوبة التحديد القاطع لتلك المتطلبات، فقد دأبت الإدارة على التقدم مراراً وتكراراً بطلبات مالية لما تسميه بالعمليات الطارئة، مع العلم بأن تكلفتها تضاف تلقائياً لمئات المليارات التي أنفقناها على تلك الحرب منذ لحظة اندلاعها وإلى الآن. ولحسن الطالع أن "الديمقراطيين" الذين تولوا تصريف شؤون الكونجرس للتو، عبَّروا عن عزمهم على وضع حد لهذا النهج المفتوح وغير المحدد لتمويل العمليات الطارئة. ولذلك فإن المتوقع أن يصر الكونجرس على أن تعامل وزارة الدفاع ميزانية حربها الدائرة في العراق، في إطار متطلبات الإنفاق الخاصة بميزانيتها المعتادة لعام 2008 المقبل. والمطلوب الآن هو اتخاذ قرار يقضي بمنع الإدارة من الحصول المستمر على "شيك مفتوح" إلى أجل غير مسمى لتمويل عملياتها العسكرية. والذي حدث حتى الآن، أن مجلس النواب أقدم خلال المئة ساعة الأولى من مباشرة أعماله، على إعادة إجراءات موازنة الميزانيات الخاصة بالجانب المدني منها. ولكن لا يزال يتعين عليه، اتخاذ قرار مماثل، بتطبيق الإجراءات نفسها على الجانب العسكري من الميزانية. ولنكن أكثر واقعية وحسماً، فإن على الكونجرس إصدار تشريع قانوني، بتحديد سقف أعلى لحجم الإنفاق الكلي على العمليات العسكرية الطارئة في العراق. وفي هذه الحالة، فسيكون الرئيس أمام خيارين، إما أن يوقع على هذا التشريع، أو ألا يحصل على ما يريده من تمويل إضافي لتلك العمليات. بروس أكرمان ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أستاذ القانون والعلوم السياسية بجامعة "يل" الأميركية ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"