لم يكن إعدام صدام حسين في فجر أول أيام عيد الأضحى المبارك, وبعد محاكمة هزلية, نهاية لعهده المأساوي. فهذا العهد انتهى فعلياً عندما بلغ الخلل في سلوك رئيسه أعلى مبلغ في صيف عام 1990، فقرر غزو الكويت ووضع نفسه في مواجهة العالم كله تقريباً إلا مَن زينوا له طريق التهلكة بشعاراتهم الفارغة وأشعارهم الكاذبة ونفاقهم المهين لهم وله لو يعلمون ولو كان يفهم. انتهى صدام ونظامه من الناحية الواقعية حين انطلقت "عاصفة الصحراء" التي أعادت بلداً عربياً إلى الحياة ومهدت لنزع الحياة من بلد آخر أخذه حاكمه في طريق الظلمات قبل أن يُعلق في المشنقة نفسها التي علق هو الآلاف من معارضيه عليها. وهكذا كانت نهاية عهد صدام الفعلية قبل 12 عاماً على سقوطه رسمياً في أبريل 2003. ولذلك يصعب على غير من ضربتهم غيبوبة سياسية القول إن إعدام صدام قبل أيام أنهى مرحلة بائسة في تاريخ العراق. فهذه المرحلة كانت قد انتهت, ولم يبق منها إلا تداعياتها السلبية التي فاقمتها سياسة الاحتلال الأميركي على نحوٍ ما كان ممكناً أن ينتج إلا الكارثة الراهنة التي جاء إعدام صدام فأكدها بل جعلها راسخة بما حمله من دلالة على نهاية العراق الذي عرفناه منذ عام 1920 . فإذا كان عهد صدام قد انتهى قبل سنوات, فقد دل إعدامه على أن الذي ينتهي الآن هو الدولة التي توفرت لها من إمكانات النهضة ما لم يحظ به غيرها في منطقة الشرق الأوسط. وليس إعدام صدام الذي يستحق أن يُعدم ألف وألف مرة, هو ما يدل على ذلك في حد ذاته, وإنما الطريقة التي حوكم بها ثم أسلوب تنفيذ حكم الإعدام في حقه. وقد تعرضت تلك المحاكمة إلى انتقادات لا حصر لها بسبب افتقادها أدنى الضمانات اللازمة لتحقيق العدالة, ومخالفتها المعايير الدولية في مجال التقاضي. ولكن مشكلة هذه المحاكمة هي أبعد بكثير من غياب الضمانات القانونية. ولو أنها اقتصرت على ذلك لربما هان الأمر ولما كانت لها هذه الدلالة الخطيرة التي تنطوي عليها, من حيث أنها أسدلت الستار على محاولة بناء "عراق جديد". فالأخطر من غياب ضمانات المحاكمة العادلة, وما يقترن به من افتقاد حكم القانون على نحو يجعل السلطة القائمة اليوم امتداداً لسلطة صدام وليست نقيضاً لها, هو تفشي روح الانتقام على نحو يستحيل وضع حد له، وبالتالي دخول العراق في دورة مفرغة من الثأر والثأر المُضاد لا يمكن إلا أن تمزقه تمزيقاً. لقد فشل حكام العراق الجدد, وخصوصاً الأكثر سيطرة على السلطة بينهم من جماعات ورجال "الائتلاف الموحد", في إدراك أن خير انتقام من صدام هو عدم الانتقام منه شخصياً. لم توفر لهم ثقافتهم السياسية فرصة لفهم أن الثأر الحقيقي لضحايا صدام يقتضي تحقيق هدفين كبيرين في آن معاً. أول هذين الهدفين هو إثبات وتوثيق الجناية الكبرى التي جناها صدام حسين على الأمة العربية كلها, وليس فقط على بلده وشعبه, لإزالة الصورة الزائفة التي رسمها أتباعه له حين صوروه مناضلاً تارةً ومجاهداً تارةً أخرى ضد أعداء هذه الأمة، وبطلاً شجاعاً مقداماً لا يتوانى عن خوض المعركة تلو الأخرى من أجل حقوق العرب والمسلمين، أو لصد الظلم الواقع عليهم. وكان هذا يقتضي محاكمة رفيعة المستوى تركز على جرائم صدام الكبرى, وفي مقدمتها جرائمه في حق الأمة, وليس على جريمة قتل هي أصغر جرائمه قاطبة، بالمعيارين الكمي والنوعي. كما كان هذا يقتضي عدم التعجل في تنفيذ حكم الإعدام بحقه عقاباً على الجريمة الأصغر فيما بدا لكثيرين عجزاً مقيتاً عن كبح شهوة الانتقام وقد تمكنت من قيادة الحكومة الحالية والسابقة عليها, واللتين لا تختلفان في جوهرهما عن حكوماته. لقد أعمى الانتقام من بيدهم الأمر في العراق الآن فإذا بهم يخدمون عدوهم الذي أرادوا الثأر منه عندما افتقدوا فضيلة الصبر فعجلوا بقتله وكأنهم أرادوا أن يرحموه مما يمكن أن يلحق بصورته. وكأنهم أخفوا دون قصد أبشع وأفظع ما يدينه, ليحافظوا له على صورة "البطل" التي أرادها وييسروا له صورة "الشهيد" التي سعى إليها منذ إلقاء القبض عليه في ديسمبر 2003. وهذه خدمة جليلة ما كان أشد أتباعه إخلاصاً ليقدر على أدائها بهذه الطريقة. ولكنه العمى الذي يولده الانتقام حين يتمكن من الإنسان ويجعله أسيراً له فيدمره بدلاً من أن يدمر الخصم الذي يسعى إلى القضاء عليه. فما حدث مع صدام حسين, منذ الجلسة الأولى لمحاكمته في يوليو 2004 وحتى إعدامه في الثلاثين من الشهر الماضي, يصب في مصلحته وليس في مصلحة من تركوا أنفسهم نهباً لشهوة الثأر التي تدمر أصحابها أكثر مما تقوض أعداءهم. وفضلاً عن الفشل الذريع في تحقيق الهدف الأول, فقد أخفق حكام العراق الحاليون أيضاً في الاقتراب بأي مقدار من الهدف الثاني الذي لا يتيسر انتقام حقيقي من صدام حسين في غيابه, وهو إحراز تقدم باتجاه بناء عراق جديد مختلف تماماً عن العراق الذي انفرد بحكمه لمدة ربع قرن. فحتى إذا تغاضينا عن استحالة بناء أي ديمقراطية في غياب الدولة, فما أيسر ملاحظة أن القاسم المشترك الأعظم بين عراق اليوم وعراق الأمس هو افتقاد القانون. وبدد حكام العراق الحاليون فرصة إجراء محاكمة عادلة لصدام حسين تكون نموذجاً للعراق الجديد الذي يتجه نحو الديمقراطية وحكم القانون. فجاءت محاكمته على شاكلة المحاكمة الشكلية التي كانت الأحكام فيها جاهزة مسبقاً. وقد أهدروا بذلك فرصة لن تتكرر للانتقام الموضوعي من صدام حسين بعد إعدامه بطريقة أكدت أن شهوة الانتقام الذاتي لديهم هي من النوع الأكثر بدائية. فقد اختاروا لإعدامه وقتاً جعله الله عز وجل مناسبة للارتفاع فوق الخلافات والخصومات والعداءات مهما بلغت, أي موسم الحج إلى بيته والاحتفال بعيد الأضحى. فقد أكدت محكمة التمييز الحكم بالإعدام في وقت كانت مناسك الحج تقترب من ذروتها وتم الإعدام قبيل صلاة عيد الأضحى. وليس ثمة ما هو أكثر من ذلك دلالة على العمى الذي يصيب المصابين بشهوة الانتقام فلا يرون ولا يبصرون. وهم, في حالتهم هذه, لا يدركون أنهم قضوا على آخر أمل في إنقاذ العراق من الكارثة التي ساهموا في دفعه إليها مثلما فعل صدام قبلهم, وقطعوا آخر شعرة بينهم وبين قطاع واسع من الشعب العراقي كما فعل صدام أيضاً من قبل. وهذا هو الأثر الأخطر والأكثر مأساوية لإعدام صدام بعد محاكمة هزلية ساهمت في تحسين صورته بغير الحق. لقد انشغل كثير من العرب بالحديث عن أثر إعدام صدام على معدلات العنف في العراق وإلى أي مدى ستزداد وفي أي أجل زمني يمكن أن تقل. وهذا, في الواقع, هو الأثر الأقل خطراً والأدنى أهمية إذا نظرنا إليه بمعزل عن التفاعلات الاجتماعية المؤثرة على العنف إيجاباً وسلباً. فالمسألة الجوهرية في هذا كله هي الانقسام المذهبي الذي سيزداد حدةً. فقد نظر كثير من المسلمين السُّنة في العراق إلى إعدام صدام من زاوية توقيته، فضلاً عن مضمونه فاستنتجوا أن الدائرة التي اعتبروها دارت عليهم تتجه إلى طحنهم. وإذا أخذنا في الاعتبار أن كثيراً من أكراد العراق أساءهم عدم محاكمة صدام على جرائمه في حقهم, والتي يعتبرونها أكبر وأخطر ما ارتكب على الإطلاق, فهذا يعني أن الأثر الانقسامي لإعدام الرئيس العراقي السابق بهذه الطريقة ليس فقط مذهبياً, ولكنه عرقي أيضاً. وربما يعني ذلك أن الأمل الذي كان ضعيفاً في إبقاء العراق موحداً يتلاشى الآن أو هو في سبيله إلى التلاشي. وفضلاً عما في ذلك من كارثة على المنطقة كلها, وليس فقط على العراق وشعبه, ففيه أيضاً خدمة جليلة لصدام حسين أسداها إليه من أرادوا الانتقام منه فأخفقوا مثلما فشلوا في كل ما تصدوا له من مهمات منذ أن وقع العراق المسكين بين أيديهم ليكملوا ما بدأه صدام وليحملوا أنفسهم أمام التاريخ المسؤولية عما اقترفه فضلاً عما ارتكبوه هم. لقد ذهب صدام حسين مختلفاً على دوره ومتمتعاً بتعاطف بعض من وقفوا ضده وليس فقط من أيدوه بسبب إعدامه في وقت خطأ بعد محاكمة لم يكن لها نصيب من العدالة. وربما يكون حكم التاريخ عليه أقل قسوة منه على حكام العراق الحاليين، ليس لأنهم ارتكبوا جرائم مثله, ولكن لكونهم ظلموا أنفسهم عندما وقعوا في أسر الانتقام الأعمى. وربما لا يدركون هم مدى ظلمهم لأنفسهم إلا حين يشيع اتهامهم بأنهم تسببوا في تقسيم العراق الذي حافظ عليه صدام موحداً، رغم أنه هو المسؤول الأول عن الانقسام المذهبي والعرقي الذي يتحول الآن تقسيماً جغرافياً لا سبيل إلى تجنبه بدون معجزة. لقد ظلم حكام العراق الحاليون أنفسهم إلى حد أنهم يبدون اليوم كما لو أنهم خلفاؤه الأوفياء لنهجه، الحريصون على تحسين صورته على حساب صورتهم. ولكن ألمْ يكن للأميركيين الذين يحتلون العراق دور في ذلك؟ سؤال سيظل مثار جدل ويحتاج إلى معالجة في مقال قادم.