أشعر بقلق عميق بل وعاصف مما يتطور إليه الإعلام والرأي العام في العالم العربي، وبالأخص حول المسألة العراقية. وبالطبع يتحتم علينا أن نتفهم عمق الالتباس وغموض الصورة وصعوبة التوصل إلى فهم صحيح وموقف سليم للقضية العراقية وما يحيط بها من صراعات إقليمية ودولية. ولكن هنا تحديداً يجب أن نثمن الحكمة والمعرفة العلمية الرصينة وأن نمتنع عن ردود الفعل الفوضوية والجاهلة. ما أشير إليه هنا هو الدعايات الطائفية الملتهبة في العالم العربي، مقابل الدعايات الطائفية الملتهبة في العراق ذاتها، وفي إيران أيضاً. وجاء مشهد الإعدام المسيء للرئيس العراقي السابق صدام حسين، ليضيف مزيداً من النار على كتلة ملتهبة بالفعل من المشاعر ليصل بالتحريض الطائفي في الإعلام وصفوف الرأي العام إلى ذرى جديدة. أشعر بالأسى والقلق تجاه هذه الكتلة النارية ذات المحتوى السياسي المغلوط والعمق الطائفي المغطى أو المموه أو المضاف عنوة إلى واقع معقد لأسباب كثيرة. أول هذه الأسباب أننا كعرب سنجد أنفسنا وقد سقطنا تدريجياً وإنْ بقوة العاطفة المتأججة كالعادة في المصيدة التي نصبتها لنا الدوائر الصهيونية المتنفذة في الولايات المتحدة وكذا في بعض الدول الأوروبية والغربية عامة. لقد بدأ الأميركيون التلاعب السياسي بالطائفية في العراق منذ اليوم الأول للاحتلال. ولا يعد ذلك جديداً. إذ أن كل تاريخ الاستعمار وكل تجارب الاحتلال انطوت بالضرورة على التلاعب الطائفي والعرقي والثقافي. ويتعين علينا كي نكمل الصورة أن نحفر بعمق في ثقافتنا وتاريخنا الاجتماعي والسياسي القديم والحديث لكي نجيب إجابة سليمة على سؤال مهم وهو: لماذا سقط العراقيون وسقط العرب بكل هذه السهولة في مصيدة الطائفية؟ لكن الأمر الأشد مدعاة للإحباط والحزن هو الكيفية التي يقع بها العالم العربي في هذه المصيدة، وبالذات خلال الشهور القليلة الأخيرة. فقد اتسعت المصيدة الأميركية-الصهيونية لتشمل ترويج الطائفية في العالم العربي، كمخرج من أزمة الاحتلال الأميركي في العراق. إذ بدت الفكرة الشريرة التي تقوم على تعريب وأسلمة الصراع، فكرة عبقرية بالفعل للصهاينة المسؤولين بالأصل عن فكرة الغزو. بل تلعب هذه الفكرة الشريرة دوراً مزدوجاً. فهي قد تنقذ الاحتلال الأميركي في العراق من أزمته المستفحلة، إذا دفعت العرب لتحمل عبء "تبرير وتعويم" الاحتلال. أما في أسوأ الأحوال فإنها تمثل استراتيجية خروج "كريم" للأميركيين الذين سيكون بوسعهم القول بأن التدخل العربي والإيراني هو السبب في فشل نظام الاحتلال في تحويل العراق إلى نظام ديموقراطي! وفي كل الأحوال يقتل المسلمون والعرب بعضهم بيد بعض، دون أن يتكلف الأميركيون والإسرائيليون "شر القتال". أما السبب الثاني فهو أنه لا يوجد حل يقوم على استجابة طائفية لتحدي الطائفية. وإذا سقط العرب بدورهم في شرك الطائفية فإنهم يبعدون أنفسهم أكثر عن الدور المأمول الذي يجب أن يلعبوه لاستعادة السلم الأهلي والاستقلال والتكامل الوطني في العراق. فلكي يلعبوا هذا الدور يجب أن يتحلوا برؤية تقوم على فكرة الحوار والحلول الوسط والاتحاد بين عناصر الأمة الواحدة. ويستحيل أن يقوم العرب بهذا الدور إذا سقطوا هم أنفسهم فريسة الدعاية والتحريض الطائفي، أو تحولوا هم أنفسهم إلى لاعب طائفي. ولا شك عندي أن التنظيمات التي تحكم العراق الآن تدين بأيديولوجيا طائفية. ولا شك عندي أيضاً أن تعاملهم مع الاحتلال ودخولهم مستنقع التصفيات الدموية والقتل والإبادة على الهوية وعمليات التطهير العرقي وتحالفهم مع إيران وفسادهم السياسي والإداري... ينطلق أساساً من حسابات طائفية ضيقة. لكن يجب أن نقول الحقيقة وهي أن جانباً من دوافع الاستغراق في الحسابات الطائفية والدموية يعد أصيلاً وجانباً آخر جاء كرد فعل على عمليات دموية وعنف جماعي وعشوائي موجه ضد السكان الشيعة باعتبارهم كذلك من جانب تنظيمات سنية طائفية وبالغة التطرف وعلى رأسها تنظيم "القاعدة في بلاد الرافدين". والأهم كما قلنا إنه لا يوجد حل سياسي للعراق من منطلق طائفي أو بترويج الطائفية في العالم العربي. إذ يفقد العالم العربي ذاته اتزانه ويتحول هو نفسه إلى حالة "عراقية" أو لبنانية، وهو ما يحرمه من لعب دور متوازن ومنصف لصالحه هو وليس لصالح الصهاينة والأميركيين. أما السبب الثالث، وهو لا يقل أهمية، فيتمثل في العلاقة بين التوترات الطائفية والصراعات الدولية والإقليمية. لقد اشرنا إلى دور الأميركيين ومن ورائهم العقل الصهيوني في اللعبة الطائفية. ويبقى أن نشير إلى العلاقة بين الصراع الطائفي في العراق، وخاصة إذا تحول إلى "حالة عربية" عامة من ناحية، والصراع ضد إيران من ناحية أخرى. لقد شهدنا هذا التحول من الطائفية إلى الحرب الإقليمية في الدعايات الخومينية الأولى حيث زعم أنصار الخومينية في إيران أن من حقهم "تصدير الثورة" كامتداد لزعمهم بالحق في قيادة العالم الإسلامي كطائفة دينية يرونها أكثر ثورية وأكثر استحقاقاً بالقيادة. ولكننا شهدنا دعاية أشد تطرفاً من جانب أنصار الصدامية السياسية الذين وصفوا الإيرانيين بأسوأ النعوت بما يشمل "عبدة النار والمجوس والكفار"، معتبِرين إيران مجرد امتداد للفرس وكأن الإسلام لم يدخل إيران أبداً. وبكل أسف عادت هذه الدعاية المقيتة، وخاصة في الفضاء الاليكتروني، دون وعي بأنها كانت وراء الانزلاق من الإدارة الحكيمة والسلمية الرصينة لتناقض حقيقي في المصالح بين العراق وإيران إلى "غزو" مباشر للأراضي الإيرانية مما أطلق حرب الثماني سنوات. ومثلت هذه الحرب الفعل المؤسس لكل الحروب الكارثية التي وقعت في الخليج بعد ذلك. وأشد ما أخشاه هو أن تجد بعض البلاد العربية نفسها وقد انجرت انجراراً، وذلك انطلاقاً من "طائفية مضادة"، إلى هذا المناخ العسكري في إدارة التناقض مع إيران حول العراق. وما أزعمه هو أن إيران بالفعل تتدخل في العراق وليس في ذلك أدنى غرابة. إذ من الطبيعي أن تتدخل لحماية مصالح جوهرية لها في هذا البلد الذي اشتبكت معه في حرب لمدة ثماني سنوات. أما الخطأ الحقيقي فهو أن تخدم مصالحها عن طريق إثارة العنف الطائفي والقيام بدور شبه استعماري في هذا البلد العربي وعلى هامش وربما كوريث للاحتلال الأميركي. تمثل هذه السياسات سببا لتناقض موضوعي أصيل مع المصالح الكلية للعرب، وبالذات لأهلنا في العراق والخليج. لكن لا يمكن لنا أن نتوقف عند هذه النقطة وحدها. إذ يجب أن نأخذ الأخطاء العربية الجوهرية أيضاً في الاعتبار. أخطأ العرب عندما سمحوا أو تسامحوا مع مشروع الغزو والاحتلال الأميركي. ثم أخطأ العرب عندما أهملوا العراق بعد ذلك بصفتهم جماعة قومية. وانتهجت مختلف الدول العربية القريبة سياسات تدخلية بصفتها المنفردة وكل حسب منظوره ومصالحه المباشرة. لذلك لم يجد الإيرانيون قوة عربية مقابلة تحسب لها الحساب المناسب. وطالما غاب توازن القوى تغيب أيضاً توازنات المصالح. وتمثل هذه الجملة الأخيرة مفتاح الموقف السليم من إيران. فلا يجب أن ننجرف إلى علاقة صراع تناحري مع إيران. ولكننا لا يجب أيضاً أن نترك إيران وحدها في الملعب العراقي أو الفلسطيني أو الإسلامي ككل. وفيما بين هذين السيناريوهين المتطرفين ثمة اختيار سليم وحيد وهو أن يؤسس العرب حضوراً جماعياً في العراق يحترم مصالح إيران باعتبارها قوة "أصيلة" في المنطقة، ويرغمها في الوقت نفسه على احترام الحقوق والمصالح العربية الجوهرية في العراق وغيره من الساحات العربية. ويتطلب هذا الموقف السليم رؤية حكيمة تحرص على المشترك وتحل التناقضات حلاً سلمياً دون اندفاع إلى المواقف الطائفية ودون الاكتفاء بالذيلية في السياسة العالمية ودون الخوف وفقدان الثقة التي نتصرف بها في ساحتنا الإقليمية وفي الساحة الدولية أيضاً.