بعد مرور عشرة أيام فقط على اليوم الذي نجحت فيه حكومة العراق في تحويل إعدام صدام حسين من عمل من أعمال العدالة إلى نوع من القتل الثأري الطائفي، تخطط إدارة بوش لإجراء" زيادة" في عدد القوات لمساعدة قيادة تتسم بالوحشية البالغة والضعف الشديد في وقت واحد بما لا يمكنها من تحقيق الاستقرار وجلب الديمقراطية للعراق. ولكن إرسال المزيد من الألوية لمواصلة تنفيذ نفس الحملة لن يحقق النجاح. والمشكلة لا تتمثل فقط في الإدارة غير الكفؤة لمرحلة ما بعد الحرب، ولكنها تتمثل في أن الحملة الصليبية لإعادة صياغة الشرق الأوسط التي أدت إلى الغزو الأميركي للعراق لم تؤد إلى أي شيء يمكن لنا أن نسبغ عليه وصف "النصر" بشكل مشروع. والمأساة هنا تكمن في أن العراق يؤكد الدرس القائل إنه ليس هناك شيء اسمه حملة جيدة. كان هذا صحيحاً منذ ألف سنة عندما حاول الفرسان الأوروبيون المسيحيون فرض إيمانهم وطريقتهم في الحياة على الأراضي المقدسة، كما أنه صحيح بالقدر نفسه في عالم اليوم. وبالنسبة لبوش وأنصاره من "المحافظين الجدد"، كان غزو العراق منذ البداية يدور بما هو أكبر بكثير من تفكيك أسلحة الدمار الشامل (التي تبين لنا الآن أنها لم تكن موجودة) وأكبر بكثير من قطع علاقات صدام حسين بتنظيم "القاعدة"(التي لم تكن موجودة هي الأخرى) وإنما كان متعلقاً بالإطاحة بنظام معادٍ للولايات المتحدة وإسرائيل وإقناع العرب بأن أميركا هي السيد الحقيقي في المنطقة. وعملية تفكيك الجيش العراقي والجهاز الحكومي التي تُلقى مسؤوليتها الآن على "بول بريمر"، لم تكن سوى نتيجة منطقية لعقلية الحملة التي كان عليها المسؤولون والساسة الأميركيون وعلى رأسهم بوش الذي كان يريد حكومة عراقية تعمل كعامل مساعد على إنجاز خطوته التحويلية في المنطقة. في الوقت نفسه، ساهمت تلك العقلية في دعم الفرضيات المتهافتة التي كان منها أن الديمقراطية يمكن أن تتجذر في العراق بسهولة، وأن العراق الديمقراطي سيعترف بإسرائيل ويستمر في الوقت نفسه في احتواء إيران وأن المهمة يمكن إنجازها بواسطة عدد قليل من القوات. يرجع البعض عدم نجاح المهمة الحالية إلى نقص الإيمان بقدرة القيم والقوة الأميركية على تحويل العراق بسرعة وإنجاز مهمتها المتمثلة في نشر الديمقراطية عبر العالم، وأن السبيل لإنقاذها بالتالي يتم عن طريق تعزيز الإيمان بالقوة والقدرة الأميركية وزيادة عدد القوات. غير أن ذلك ليس صحيحاً في الحقيقة. ليس مقصدي من ذلك أن الولايات المتحدة يجب أن تقطع مهمتها وتهرب من العراق، وإنما مقصدي القول بأنها يجب أن تسعى إلى الحل الصعب والمعقول الوحيد وهو: إعادة صوغ السياسة الأميركية في الشرق الأوسط من أجل إرساء سياق سياسي مناسب يمكن إدارة الحرب من خلاله. لقد كانت "مجموعة دراسة العراق" على حق فيما يتعلق بنقطتين: إرسال مزيد من القوات إلى بلاد الرافدين والاستمرار في العمل مع الحكومة العراقية ولكن هذين الخيارين لا يمثلان بداية حيث تدعو الحاجة إيضا إلى منح جيران العراق بما في ذلك إيران وسوريا نصيبا من تحقيق الاستقرار في العراق. هناك أيضا حاجة جوهرية لتبني نهج جديد في التعامل مع ملف النزاع الإسرائيلي- الفلسطيني، لأن الإدراك السائد في المنطقة وهو أن الولايات المتحدة تقف إلى جانب إسرائيل على طول الخط ،يجعل من مهمة جيران العراق من أصدقاء الولايات المتحدة وهما السعودية والأردن في تقديم المزيد من الدعم والمساعدة للمشروع الأميركي مهمة غاية في الصعوبة. يبقى بعد ذلك القول إنه يجب علينا القبول بأن الديمقراطية في العراق ناهيك عن تحويل العراق إلى نموذج للدول المجاورة يمكن أن ينتظرا أوقات أكثر ملاءمة. أما بالنسبة للمالكي، فعلى الرغم من أنه قد لا يبدو في نظر بوش فارساً يرتدي درعا لامعة في حملة إدارة بوش الساعية للديمقراطية في العراق فإنه قد يكون مع ذلك ضروريا بالكاد لتمكين الولايات المتحدة من الخروج من المستنقع العراقي دون أن تفقد ماء وجهها، أو تترك وراءها ملاذا لتنظيم "القاعدة". ديمتري سايمز كاتب ومحلل سياسي أميركي ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"