تمكنت الطائفية من الشعب العراقي بشكل غير معقول، وهي في طريقها كي تتمكن أيضاً من الشعب العربي والمسلم. وقد جاء إعدام صدام حسين الأسبوع الماضي ليكون المسمار الأخير في نعش التوافق العراقي المنشود... إذ نجح أعداء العراق؛ من أميركيين وفرس، في إذكاء الروح الطائفية بين شعب كان أبناؤه يعيشون ويموتون دون أن يعرفوا ما إذا كانوا سنة أو شيعة فهم أبناء وطن واحد... اليوم صار الوضع مختلفاً في العراق ولم يعد أمام حتى ذلك الذي لا يؤمن بمعتقد ديني، إلا أن يبحث عن طائفته ليحتمي بها ويحافظ من خلالها على روحه وماله وأهله! إنه وضع في غاية الخطورة، وواهم أي عراقي يعتقد أن هذا الوضع مفيد له على المدى القريب أو البعيد، فالكل خاسر في العراق، سنة وشيعة، ولن يربح إلا المتربصون بالعراق، خاصة إيران وإسرائيل اللتين تعيشان حالة من النشوة غير الطبيعية منذ سقوط بغداد وخراب العراق وإعدام صدام. حكام العراق الجدد فتحوا أبواب جهنم على الشعب العراقي، وبدل أن يعملوا على تهدئة الاحتقان الطائفي المتنامي، زادوه اشتعالاً وسخونة بطريقة لم يسبق لها مثيل... ورغم أن الحكام الجدد للعراق يعرفون أن صدام أعدم في ضمير الشعب العربي- سنتهم وشيعتهم- منذ سنوات طويلة، فإنهم أصروا على شنقه قبل أن تظهر كثير من الحقائق التي لا يعرفها العراقيون والعالم، وبطريقة غير إنسانية حولته من متهم إلى شهيد وبطل! ورغم إعدام صدام واختفائه من الوجود فإنني أخشى أن تدوم "لعنة" صدام على العراق إلى الأبد، لأن هذا الإعدام حرم العراقيين من "العدالة المنشودة"، فالتخلص من صدام بالطريقة التي تمت لم تختلف عن طريقة صدام في التخلص من أعدائه وبالتالي فالصفحة الجديدة التي فتحت في العراق بعد شنق صدام افتقرت إلى العدالة التي يفترض أن تقوم عليها أية حكومة في دولة حضارية تحترم نفسها وتحترم شعبها... وهي طريقة تهيئ لعودة صدام من جديد، صدام آخر لا يختلف عن ذاك المدفون في تكريت والذي كان لا يرحم من يختلف معه. الخطأ حدث في العراق، واليوم فالحكومة بحاجة إلى تصحيح الخطأ، وليس تغطية الخطأ بخطأ آخر كما كان يفعل صدام حسين... لقد قلنا سابقاً ونعيد أن الحكومة العراقية الجديدة في تحد كبير أمام الشعب العراقي والعالم، كي تثبت أنها جاءت لتغير العراق القديم وتأتي بـ"عراق جديد" لا يكرر حكامه أخطاء الماضي... حتى هذا اليوم جميع الحكومات التي مرت على العراق بعد حرب عام 2003 لم تنجح في ذلك، بل عزلت نفسها عن الشعب وعملت على تدعيم كل ما من شانه أن يفرق العراق طائفياً، وهي اليوم مطالبة ببذل جهد أكبر من أجل خلق وطن حقيقي يلتف أبناؤه حول علم واحد وهدف واحد لا يختلف باختلاف الطائفة أو المذهب أو الدين أو العرق... فهل ينجح حكام العراق قريباً في تنفيذ ذلك؟! رحل صدام- بالطريقة التي تليق به- وما تزال الفرصة متاحة أمام حكام العراق الجدد أن يعيدوا ترتيب الأوراق وأن يثبتوا أنهم ليسوا امتداداً لصدام ونظامه الظالم وأن يضعوا الأمور في نصابها الصحيح وأن يمنعوا ثلاثة تدخلات؛ أولها تدخل الأهواء الشخصية في عملهم وفي القرارات المصيرية للعراق، وثانيها تدخل الولايات المتحدة في سياساتهم، أخيراً التدخل الإيران غير المحدود... يبدو أن الحكام الجدد للعراق لم يقرؤوا التاريخ جيداً- أو ربما نسوا ما قرؤوه- ليعرفوا ما يجب فعله وما يجب تركه حتى يكتب لهم النجاح والاستمرار في حكم العراق... كما لم يستوعبوا الجغرافيا لدرجة أنهم يعتقدون أنهم يعيشون في مكان بلا محيط وبلا جيران غير الذين يرونهم وبالتالي يقعون في أخطاء خطيرة نتيجة حسابات غير دقيقة! التاريخ والجغرافيا أمران مهمان لأي حاكم للعراق، لأنهما يساعدان بصورة جيدة على إعادة النظر في كثير من الأمور؛ ومنها العلاقة مع إيران والتغاضي عما تقوم به في العراق من تصرفات ليست في مصلحة العراق وشعبه... أما إيران فإنها كذلك بحاجة إلى أن تعيد حسابات سياستها تجاه جيرانها العرب، وخصوصاً في المرحلة الحالية، لتتوقف عن التلاعب بمصالحهم وتتخلى عن أحلامها "بعيدة المنال" في أن تكون الدولة العظمى الوحيدة في المنطقة، دون أن تكترث إن كلف تحقيق ذلك تدمير الدول المجاورة لها وحرمانها من تطوير نفسها... بل وتوقف التنمية فيها هي أيضاً! عمل إيران على زعزعة استقرار دول المنطقة، لم يعد سراً وإنما صار موثقاً بأوراق رسمية؛ فمؤخراً ألقت المخابرات الأميركية القبض على دبلوماسيين إيرانيين في العراق بحوزتهم وثائق أمنية إيرانية تدعو إلى "إدامة التوتر في العراق وإمداد بعض الحركات والفصائل الإرهابية بالمال والسلاح... والأخطر هو وجود مخططات لتدريب إرهابيين في العراق بهدف زعزعة الأمن في دول الجوار والدول المحيطة". يجب أن تدرك إيران أن العبث بأمن واستقرار المنطقة سيضرها كما سيضر من تريد الإضرار بهم، وأن هذا العبث سيكون باهظ الثمن واللعب بالنار سيحرق لاعبه. يجب أن يتأكد حكام العراق الجدد والعراقيون، أن العرب يقفون إلى جانبهم ويريدون الاستقرار للعراق... ولكن من المهم أن لا يتجاهلوا أن أياً من جيران العراق وأصدقائه لا يريد أن يكون هذا الاستقرار لطرف على حساب طرف آخر. يمكن أن ينسى السنة والعرب، بل يمكن أن يتجاوز العالم الخطأ السياسي الكبير الذي حدث بطريقة وتوقيت إعدام صدام حسين صباح عيد الأضحى... يمكن أن يحدث ذلك لو تجاوز الحكام الجدد للعراق مرحلة حب الانتقام والتشفي بأعدائهم، وإذا ما تحرر هؤلاء الحكام قليلاً من التدخل الإيراني في كل صغيرة وكبيرة من أمور العراق، وإذا ما تجاوزوا الوقوف مع طلائع الطائفيين والمذهبيين، وحكموا العراق كعراقيين مسؤولين عن توفير الأمن والحياة الكريمة لجميع العراقيين دون تفريق. العراقيون بحاجة إلى أن يستريحوا قليلاً ليميزوا صديقهم من عدوهم... إنهم بحاجة إلى أن يهدؤوا قليلاً ليعرفوا من الذي يشعل نار الفتنة بينهم ويحرمهم من الحصول على عراق جديد... وهذه مهمة الحكام الجدد للعراق، التي فشلوا فيها حتى هذه اللحظة... كما أن العراق الجديد بأمس الحاجة اليوم إلى أصوات الحكماء والرحماء بدلاً من أصوات الغوغاء والطائفيين والناقمين على العراق أكثر من نقمتهم على من حكم العراق! العراق الجديد بحاجة إلى جيل من الحكام لا يحملون أطناناً من الحقد والقهر الذي نما وكبُر وتضخّم على مر السنوات... العراق الجديد بحاجة إلى حكام متسامحين عادلين قادرين على تقبل الآخر من أبناء جلدتهم مهما اختلفوا في المذهب أو في الأفكار أو الديانة أو الإيديولوجيا... العراق بحاجة إلى جيل حكام يعرف الرحمة أكثر مما يعرف الانتقام والبطش والرقص على جثث الأموات... فلا أحد يحمي العراق إلا هؤلاء! هؤلاء فقط يمكن أن يستعيدوا الأمن في العراق ويعيدوا الأمان للعراقيين، وليس جورج بوش أو مساعدوه من "المحافظين الجدد" الذين لا يريدون إلا تدمير العراق... ومهما أعلن بوش عن وضع استراتيجيات وخطط جديدة للعراق وعين مسؤولين أميركيين جددا وأقال سابقين... ومهما حاول الحكام الجدد للعراق فرض القوانين والخطط الأمنية، فإن الأمن لن يحدث ما دام هناك من يعمل بلا كلل أو ملل على إذكاء الروح الطائفية والمذهبية في العراق.