ختمت السنة الميلادية 2006 بلهب ونار في لبنان، ودموع ودماء في العراق... وفي مركز الاستخبارات العسكرية في بغداد حيث كان يعدِم صدام حسين ويعذِب، لاقى وجه ربه مشنوقاً بحبل فتدلى... كنت في كندا حين أخبرتني ابنتي عند منتصف الليل أن صدام أعدم، في مناسبتين قلما اجتمعتا إلا كل ثلاثين سنة مرة: عيد الأضحى وأعياد الميلاد... فاختار بوش والمالكي أن يصبغاها بالدم، فيحتفلا بطريقتهما. ومع اختتام العام بالدم والقربان، أثبتت كلا الثقافتين أنهما تغتسلان في نفس العين الحمئة من الثأر والحقد والدم... وقد لا يخطر في بال إلا الآحاد، معنى أن يكف نبينا إبراهيم عليه السلام عن ذبح ابنه إسماعيل ويذبح الحيوان، في معنى رمزي عميق أن تتوقف عملية تقديم القرابين على أية صورة، ولكن كلا الثقافتين اتحدتا في عكس ما أراد إبراهيم، وهما تعلنان نسباً له... وعكس ما كانت تشع به روح المسيح... فحزن في هذا اليوم المسيح وإبراهيم والثقافة الإنسانية... إنه يوم انتصار الغريزة وهزيمة الروح.. وفي فيلم "أبو كالايبتو" الذي رأيته في مونتريال قبل تقديم قربان صدام؛ عرض المخرج "ميل جيبسون" الثقافة التي كانت سائدة في أميركا الوسطى في حضارة "المايا"، فكانوا يقتلعون قلب الشاب من صدره بنصل حاد، ثم يتقدم الكاهن إلى الجمهور المنتشي والقلب في يده يخفق، قبل أن يقطع الرأس ويلقى بالجسد يتدحرج فوق درج الهرم؛ فيهتف الناس كما فعل بعض من حول صدام بالهوسة العراقية التقليدية، ولو سمحوا لهم لفعلوا مثل قبائل المايا قبل ألف سنة! هكذا فالعراق يستحم بالدم منذ أيام الحجاج، وليس بإمكانه أن يفعل ما فعلته الثقافة في جنوب أفريقيا، بإنشاء "لجان المصالحة والتأهيل"، فكان يؤتى بالقاتل فيعترف، ثم يروي أمام الأهل بالتفصيل كيف قتل ابنهم، وبأية أداة وأين، والأحداق تحمر والدموع تتساقط، ثم تقوم أعظم عملية تنقية روحية بالتطهر من الألم والثأر وإعادة لحمة المجتمع، فيعترف القاتل ويطلب الغفران، ويقوم أهل المقتول فيصافحون القاتل، وتغتسل النفوس وتتطهر، وتبنى دولة جديدة يتولاها مانديلا الأسود.. في أحد المشاهد تأخرت توبة القاتل بعد الاعتراف، لشعوره أنه فعل الصحيح، وهو ما قاله صدام في آخر لحظة من أن من أطاح به وأمسكه وحاكمه ونفذ؛ هم الأميركيون بأيد عراقية، سواء من المعارضة التي استدرجت أميركا، أم من قام بمسرحية المحاكمة. وبين ثقافة العراق والانتقام وبوش وفريقه، وبين روح السلام والمصالحة والتطهر الأخلاقي... مسافة ثلاث سنوات ضوئية لبناء "عراق جديد" خال من الدم والثأر... جاء في الحديث أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يقود قاتلاً مربوطاً بنسع، أي بحبل من ليف، وطلب القصاص في القتل، فأعطي؛ فساقه إلى الذبح، فقال نبي الرحمة: إن قتله فهو مثله؟؟ فهرع بعض من سمع إليه فأخبره بالخبر، فما كان منه إلا أن أطلق سراحه وعفا عنه... هكذا فالعفو أقرب للتقوى. وفي الثورة الإيرانية تمنينا يومها أن يفعل الخميني ما فعل نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم بخصومه القرشيين، الذين أكلوا كبد حمزة، وطعنوا سمية في مكان العفة منها، ووضعوا صخور سجن أبو غريب على صدر بلال، أو ما فعله النظام في جنوب أفريقيا بلجان المصالحة والتأهيل، ولكن بين هذه الثقافة والرحمة سور له باب، باطنه العذاب. تمنينا على العراقيين أن يفعلوا بصدام ما فعل الصرب بميلوسوفيتش، فيترك أو يحكم بالمؤبد، ليس لأن صدام لا يستحق الموت، بل من أجل بناء عراق جديد، يكون نموذجاً للمنطقة، وتبدأ رحلة جديدة في العراق مبنية على التفاهم والمصالحة وإيقاف حمامات الدم، ولكنه "العراق" الذي اختار الطائفية والانتقام المذهبي ورائحة الدم والبارود. أما أميركا في العراق فصار مثلها مثل قصة الخنزيرة وأنثى النسر التي كانت في أعلى الشجرة ترعى فراخها؛ فخوفت هرة عجوز كل طرف من الآخر، فلم تقنص النسرة شيئاً، ولم تطعم الخنزيرة جراءها، فماتت الفراخ والجراء، كما يموت الشيعة والسنة في عراق اليوم؛ فكانت طعاماً للهرة العجوز. هل يعقل المسلمون ويفهموا المغزى العميق خلف تقديم الأضاحي يوم العيد، والتوقف عن تقديم القرابين البشرية في أي صورة وتحت أي مذبح وشعار وحزب ومذهب وطائفة وحرب... ويستبدلوا ذلك بثقافة الرحمة!