خلال الأسبوع الماضي تمكنت الحكومة الصومالية المعترف بها دولياً، من إحراز نصر باهر على منافسيها في "اتحاد المحاكم الإسلامية"، بدحرها لهم واستعادة سيطرتها على العاصمة مقديشو ومدينة "كيسمايو"، الواقعة على ساحل الميناء الرئيسي في البلاد. وربما كان هذا إنجازاً كبيراً ومتوافقاً مع مساعي احتواء خطر الإسلام الأصولي في منطقة القرن الأفريقي حتى الآن. لكن وما لم تبادر الولايات المتحدة الأميركية بلعب دور بناء ومؤثر في المرحلة المقبلة من مراحل النزاع الصومالي، فإن على الأرجح أن يتحول هذا النزاع الداخلي، إلى حرب إقليمية طاحنة وواسعة النطاق، وذات بعد ديني أيضاً. وما كان ممكناً للحكومة المؤقتة القائمة في مقديشو الآن، أن تحرز ما أحرزته من نصر وتقدم، لولا المساعدة العسكرية الكبيرة التي قدمتها لها القوات الإثيوبية المجاورة، علماً بأن الكثيرين من جنودها قد جرى تدريبهم وتسليحهم بمساعدة أميركية. ومع ذلك فإنه لن يكون في وسع إثيوبيا أن تؤدي دور القوة العسكرية الرئيسية للحكومة الصومالية، إلى أجل غير مسمى. كما لن يستطيع الصوماليون الذين يسود بينهم الإسلام بنسبة 100 في المئة، احتمال احتلال إثيوبي مسيحي طويل الأمد لبلادهم. ومما لا شك فيه أن إحلال السلام والاستقرار في تلك البقعة الشديدة الاضطراب من العالم، لهو أمر بالغ الصعوبة والتعقيد. وليس أدل على ذلك من قسوة تجربة التدخل الأميركي بهذا الخصوص في الصومال في بدايات عقد التسعينيات. وكان تحويل مهمة المساعدات الإنسانية إلى مهمة قسرية لبناء الأمم، قد أثارت غضب زعماء الميليشيات الصومالية، إلى حد أفضى في نهاية الأمر، إلى هجمات "سقوط النسر الأسود" السيئة الصيت. وبسبب إلمام الإثيوبيين الجيد بتجربة المأزق الأميركي السابق هناك، ولمعرفتهم كذلك بنزوع الصوماليين المستمر لمقاومة التدخل الأجنبي، فقد بدأوا يتحدثون سلفاً عن الانسحاب من الصومال، خلال أشهر معدودة من توغلهم إلى داخل الحدود الصومالية. والأكثر من ذلك أن الغزو الأميركي للعراق، يلقي هو الآخر بتأثيراته وإنذاراته من مغبة أي بقاء طويل الأمد للقوات الإثيوبية في الصومال، خاصة بعد ما تردد على لسان بعض كبار قادة تنظيم "القاعدة"، من حض وتحريض لمقاتليهم على الإسراع إلى الصومال، ومحاربة ما أسموه بالغزو المسيحي لديار المسلمين. وغني عن القول إن تحريضاً كهذا، سيسفر عن توافد المزيد من الإرهابيين والمقاتلين الأجانب نحو الصومال، ويؤدي إلى توسيع رقعة التطرف الإسلامي في أوساط الصوماليين أنفسهم. أما على الصعيد الداخلي، فقد سارع "اتحاد المحاكم الإسلامية" لإعلان الجهاد سلفاً، في ردة فعل منه على التدخل الإثيوبي في شؤون الصومال، وكذلك التفويض الذي أصدره مجلس الأمن الدولي بإرسال قوة حفظ سلام أفريقية إلى هناك. وبما أن الولايات المتحدة قد لدغت من الجحر الصومالي من قبل، وهي لا تزال محرجة بسبب تلك اللدغة، فإن عليها أن تتردد كثيراً وطويلاً من تكرار ما حدث لها من قبل، في البلد نفسه. وللسبب عينه، فإن هناك من يبدي تردداً وتحفظاً إزاء إرسال قوة حفظ سلام تقودها إحدى الدول الكبرى، وهو ما لا يبدو مرجحاً في الوقت الحالي على أقل تقدير. على أن الجانب المهم في كل هذا، هو أنه ليس ثمة حل عسكري محض للمأزق الصومالي. والبديل العملي الأكثر فاعلية من الحلول العسكرية، هو سلاح الدبلوماسية الذكية، الساعية لعقد صلح واتفاق اقتسام السلطة بين الحكومة الانتقالية الحالية، وخصومها ومنافسيها في "اتحاد المحاكم الإسلامية". فذلك هو الأمل الوحيد الذي يمكن أن تتعلق به أنظار الصوماليين والعالم بأسره في الوقت الراهن. وبالنظر إلى تجارب النزاعات التي شهدتها القارة الأفريقية في كل من إقليم دارفور السوداني والكونجو وغيرهما، فإنه لا بد للانتباه إلى أن مجرد محاولة دفع الخصوم الأفارقة إلى طاولة المفاوضات، ما يشجع الغرب على غض الطرف مما يجري من مآس وجرائم هناك بحق المدنيين. لكن ومع ذلك، فإن هناك في الصومال من المؤشرات، ما يحمل على تعليق الأنظار والأمل في ما تستطيع الدبلوماسية فعله في حل النزاع الحالي. وما يدعو لهذا الاعتقاد، إبداء الأوروبيين عزماً على التوسط النزيه بين الفصائل الصومالية الرئيسية المتناحرة، من أجل إيجاد حل للنزاع بينها. ثم إنه لا يستبعد أن تجد كينيا نفسها مجبرة على استئناف دورها الدبلوماسي الطويل الأمد في الجارة الصومال، خاصة مع ما حدث من تدفق لآلاف اللاجئين الصوماليين إلى أراضيها، عبر الحدود الشمالية، بسبب تفاقم النزاع مؤخراً. تضاف إلى هذين العاملين، حقيقة عجز "المحاكم الإسلامية"، وكذلك الحكومة الفيدرالية المؤقتة، عن إحكام قبضتهما على البلاد، والانفراد بإدارتها من قبل أي من الطرفين. ذلك أن زعماء القبائل والعشائر، وكذلك زعماء الحرب والميليشيات، هم من يملكون زمام السلطة ومفاصلها في البلاد دائماً. وإحقاقاً للحقيقة هنا، فقد كان العامل الرئيسي في اندحار ميليشيات "اتحاد المحاكم الإسلامية"، واضطرارها للانسحاب من العاصمة مقديشو وكذلك من مدينة كيسمايو الساحلية، هو قرار زعماء الحرب والعشائر، بالكف عن دعمهم العسكري لتلك الميليشيات. وفي هذا ما يكشف أيضاً أهمية دور كبار وزعماء القبائل في صنع مجمل السياسات الصومالية المعاصرة، وكذلك دورهم في حفظ التوازن السياسي هناك. ولا بد من وضع اعتبار خاص لهؤلاء في أي مفاوضات سلمية وجهود دبلوماسية تهدف لإيجاد مخرج حكيم للأزمة الصومالية. جوناثان ستيفنسون أستاذ الدراسات الاستراتيجية بـ"كلية الحرب البحرية" الأميركية ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز"