أحدث قرار إعدام صدام حسين شنقاً، حالة من الترقب والتساؤل والاستشراف في أوساط واسعة من عربياً وعالمياً. وجاء الإعدام نفسه ليطرح سؤالاً قلما أفصح عن إشكاليته في أحداث مشابهة أخرى سابقة. ولعل حدوثه في الظروف أسهم في إنتاج السؤال المعني والذي يتحدد على النحو التالي: هل كان دور صدام حسين حاسماً في المصير الذي انتهى إليه العراق؟ وقد يأخذ هذا السؤال الصيغة الساذجة التالية: هل إذا كان صدام قد وُلد في سويسرا من أب وأم سويسريين وارتقى إلى مستوى عالٍ أو أعلى في السلطة السياسية، سيفعل ما فعل في العراق؟ على هذا النحو يتضح وجهان من أوجه المسألة، التي نحن بصددها، أما الأول فهو ذاك الذي يتصل بالبنية الاجتماعية الاقتصادية والسِّيا- ثقافية، التي نشأ فيها صدام. لكن الوجه الثاني يتجسد في السياق التاريخي التراثي، الذي نما فيه وترعرع وكبر، وتلقف فيه ما تلقف من العناصر التاريخية والتراثية عبر الذاكرة التاريخية والتراثية العراقية، وبهذا تكون اليد قد وُضعت على مدخلين اثنين إلى شخصية الرجل، ونصطلح عليهما بعلم الاجتماع الاقتصادي والسيا-ثقافي وعلم التاريخ في أفقه التراثي. لكنّ وجهاً آخر ثالثاً ينبغي أخذه بعين الاعتبار، كي نقارب المسألة المعنية هنا بمزيد من التدقيق، ذلك هو العلاقات المركبة والمتشابكة بين العراق ومحيطه العربي والإقليمي العمومي، وبين هذا وذاك من طرف، وبين العوالم الأخرى شرقاً وغرباً، من طرف آخر. وفوق ذلك كله، يتعين على الباحث أن يأخذ شخصية صدام حسين في خضم العلاقات بين السلطة والثقافة وما رافقها من تجاذبات وصلت إحدى قممها مع تسلّم الرجل السلطة نائباً للرئيس، ورئيساً، في سياق تمثل الأنماط المسلكية التي اتبعها في مواجهته لمشكلات العراق الهائلة، بدءاً بما واجهه من تحديات داخلية تمثلت خصوصاً بإلغاء المجتمع السياسي وتعددية الأحزاب وبروز مقولة "القائد"، وانتهاءً بالصراعات التي دخل غمارها بأضخم المقاييس. ولقد تتوّج ذلك كله بنمط من النظام الرئاسي الاستبدادي، الذي تجلى في الاستفراد بالسلطة وبالثروة وبالإعلام وبالحقيقة. وعلى رأس هذا النظام قبع صدام حسين، الذي أخذ يسعى للتأسيس لنهضة تكنولوجية وعسكرية وصناعية تكون بمثابة درع لحماية نظامه، ومنصة للانطلاق باتجاه بلدين محيطين اعتبرهما عدوّين خطرين على "مشروعه" وهما إيران وإسرائيل. وفي هذه الحال، وظف ما رآه كافياً من ريعه النفطي في خدمة ذلك، وقد تعاظم عمقاً وسطحاً ما أنجزه على هذه الطريق، ولعله كاد يؤسس لذلك المشروع، لولا أن عائقين هائلين وقفا في وجهه، وكان يمكن أن يخفف من خطرهما لو قرأ التاريخ السياسي والعسكري والثقافي للمنطقة العربية ومحيطها. أما العائق الأول فقد تمثل في النظام الرئاسي الاستبدادي الإقصائي، الذي عمي عن إمكانات التعددية السياسية والمشاركة المؤسساتية الديمقراطية في إنجاز المطلوب. ويظهر العائق الثاني في خطأ كبير وقع فيه صدام، وهو غزوه للكويت، مما اعتبر سابقة خطيرة في العلاقات العربية والإقليمية والدولية. ونضيف إلى ذلك أن النظام الصدامي لم يدرك أن العالم دخل أو أُدخل في سياق جديد هو النظام العالمي العولمي. لقد انطلق صدام حسين -في ذلك كله- من النظم الاستبدادية، التي يمكن أن تؤسس لتطورات اقتصادية وتكنولوجية وعسكرية ملحوظة، لكن دون أن تكون قادرة على حماية منجزاتها، بعُجرها وبجرها. فإرادة الرأس الطامحة إلى الأمجاد ترتطم بالأدوات، التي تكون مرجعياتها التطبيقية، وحيث يكون الأمر كذلك، ترتد الفعلة على فاعلها، الذي يكف عن رؤيتها وعن محاولة تصويبها أو ترميمها، وقد يتجسد النظام الرئاسي الاستبدادي الإقصائي في أكثر أنماطه انغلاقاً. هكذا تبلورت شخصية صدام حسين. لقد نُقل عن بريجنسكي أنه في لقاء تم بينه وبين أحد وزراء صدام حسين في زمن سابق، قال لهذا الوزير: إذا أردتم أن تضبطوا العراقيين، فعليكم أن تجعلوهم يترحمون على الحجاج. وفي هذا ما يدلل على أن الشأن السياسي والعسكري خصوصاً كان يأخذ أفقه المسدود أكثر فأكثر، بقدر ما كان التصميم يتعاظم على الأخذ بثلاثية: الملك المالك الإله، ولا يصح التقليل من دور الاختراق الغربي الاستعماري والإيراني في ذلك التصميم، الذي بدا رداً عليه ودعوة إلى شعار صحيح يحتمل الخطأ والخطر، وهو شعار "الوحدة الوطنية". فبقدر ما يكون هذا صحيحاً خصوصاً بالنسبة إلى بلدان مفككة طائفياً ومذهبياً وعرقياً وغائبة عنها القوى السياسية المدنية الحية، يمكن أن يكون كذلك خطأ وخطراً، لأن الأمر في هذه الحال، يغدو بمثابة دعوة زائفة إلى رفض التعددية والحرية والحوار الوطني، ومن ثم بمثابة دعوة إلى "الالتفاف" حول "القائد الملهم، قائد الوطن والمسيرة". إن إعدام صدام حسين هو نفسه وبالكيفية التي تم بها وبالأيدي التي نفذته، حُرم حتى من شرف أن يكون إعداماً شريفاً تاريخياً، لقد أعدمه الاحتلال الأميركي، ففقد شرف إعدامه على يد شعبه، وهنا تكمن "الملهاة السوداء".