مع خضم التحوّل الكبير في مسيرة التنمية الشاملة التي تشهدها إمارة أبوظبي، أصبح الجانب الثقافي يأخذ حيّزاً متنامياً، وعلى أعلى المستويات. وقد نال الجانب الثقافي اهتماماً كبيراً في عملية إعادة هيكلة الحكومة المحلية، الأسبوع الماضي، التي تضمّنت إنشاء ثلاث دوائر محلية جديدة، أهمها دائرة "التعليم والثقافة والشباب والرياضة"، ما يشكّل دعماً مباشر لمسيرة التنمية الثقافية في الإمارة، تضاف إلى جهود "هيئة أبوظبي للثقافة والتراث"، والتي استطاعت خلال الفترة القصيرة التي أعقبت تأسيسها مطلع العام الماضي، أن تطلق العديد من المشاريع التراثية والثقافية الرائدة، ليس على مستوى المنطقة فحسب، بل وعلى مستوى العالم. لقد شهدت الساحة المحلية خلال الفترة الماضية العديد من مشروعات تطوير وتنويع البنية التحتية الثقافية، كما تحرص "هيئة أبوظبي للثقافة والتراث" على القيام بمختلف المسوحات والدراسات والبحوث اللازمة لتحديد وتقييم وفهم طبيعة وحجم التراث الثقافي لإمارة أبوظبي وحفظه وتوثيقه، والحفاظ على التراث الثقافي وحمايته وإدارته والترويج له خارجياً، وتنظيم العمل الأثري والإشراف المباشر على عمليات التنقيب من خلال خبراء مؤهلين، مع مراعاة أن تتبع الطرق والتقنيات العلمية الحديثة كافة في أعمال المسح والتنقيب وإجراء الحفريات، والإشراف على نشاطات المؤسسات العامة والخاصة المعنيّة بالتراث الثقافي والتنسيق في ما بينها لتجنّب الازدواجية والتضارب في برامجها، وكذلك وضع هيكل لقائمة جرد الممتلكات الثقافية وإدراجها وفقاً لأهميتها وتحديد درجة الحماية والإدارة التي ينبغي توفيرها. يتوقع أن تشهد المرحلة المقبلة تحرّكات مكثفة لتدعيم البنية التحتية الثقافية، من ضمنها تطوير المتاحف وتفعيل دورها الإنساني والحضاري، والجمع الميداني الشامل للتراث الثقافي غير المادي لإمارة أبوظبي، ودعم الأنشطة الثقافية المختلفة، وإنشاء جيل من الكوادر المواطنة متخصّص في مجال الفنون والثقافة، وفي مجال دعم الإبداع الأدبي والثقافي. بينما ينتظر أن تشهد صناعة الكتاب تحوّلاً كبيراً في شهر إبريل المقبل، بعد أن كشفت "هيئة أبوظبي للثقافة والتراث" عن "استراتيجية جديدة" لتطوير "معرض أبوظبي الدولي للكتاب"، ليلعب دوراً فاعلاً في صناعة العلم والمعرفة يتفق مع الإنجازات الضخمة التي حققتها الإمارة في مختلف المجالات، ولعلّ "جائزة الشيخ زايد للكتاب"، والتي تعدّ الأكبر على مستوى العالم، تعطي مؤشراً واضحاً على مستوى الطموحات الثقافية لإمارة أبوظبي. إن إمارة أبوظبي تتحرّك في هذا الاتجاه من خلال مضمار ثقافي مزدوج يجمع ما بين إحياء الموروث الثقافي المحلي واستيراد الإبداع العالمي المتطوّر، لتتحوّل بذلك إلى مركز ثقافي فريد من نوعه في المنطقة. فبعد أن توصّلت إلى اتفاق تاريخي مع الحكومة الفرنسية، العام الماضي، يقضي بافتتاح فرع لمتحف "جوجينهايم"، إحدى المؤسسات الثقافية العريقة، في أبوظبي، يتوقع أن يتم التوصل إلى اتفاق غير مسبوق يتعلّق بتدشين متحف "اللوفر" الفرنسي في أبوظبي، حيث شهد العام الماضي مفاوضات إيجابية مكثفة بين الجانبين. إلا أن رهان أبوظبي الثقافي على المضمار الخارجي ليس مقتصراً على فرنسا وحدها، بل هو رهان استقلالي تعدّدي، أي الانفتاح على مختلف الفاعلين الدوليين، انطلاقاً من رؤية مستقبلية بأن تكون أبوظبي قبلة ثقافية تجمع الغرب والشرق، بعد أن بات المشهد الثقافي محور الرؤية المستقبلية لعالم يموج بالكثير من المتغيّرات والتطوّرات والمفاهيم الحديثة والأدوات التي لها آثار مباشرة على المسارات الثقافية، ولا وجود فيه إلا لمن يملك قدرات ثقافية ذاتية قوية تعزّز بقاء هويته. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية