من أهم علاقات إسرائيل في العالم تلك التي تربطها مع الولايات المتحدة ومصر؛ غير أن الحكومة الإسرائيلية برئاسة رئيس الوزراء إيهود أولمرت قامت خلال الأيام العشرة الماضية بإحراج كلتيهما؛ حيث أعطى وزير الدفاع "عمير بيريتس" موافقته على بناء مستوطنة جديدة في الضفة الغربية المحتلة، في منطقة تتجاوز جدار الفصل الحالي بكثير؛ وبعد ذلك بدا متفاجئاً عندما وصفت الولايات المتحدة العمل بأنه خرقٌ لما تم الالتزام به في إطار مخطط 2003 للسلام، المعروف بـ"خريطة الطريق". أما الحدث المحرِج الثاني فوقع يوم الخميس بساعات معدودة قبل اجتماع القمة الذي جمع أولمرت والرئيس المصري حسني مبارك، حيث نفذ الجيش الإسرائيلي توغلاً عسكرياً في وضح النهار في وسط رام الله بالضفة الغربية؛ قُتل أثناءه أربعة فلسطينيين، وجرح عشرون آخرون؛ أما الهدف، فلم يقبض عليه. وكان من نتائج ذلك أن تعرض أولمرت لعتاب مذل من مبارك نقل مباشرة على شاشات التلفزة. والواقع أن الحادثين لا يكتسيان أهمية كبيرة؛ ويبدو أن أياً منهما لم يكن القصد منه خلق الضجيج والأجواء التي تلته. كما أن كِلا العملين –يقول مساعدو أولمرت- نُفذا من دون موافقة رئيس الوزراء. والحال أن عدداً من الساسة والمحللين الإسرائيليين يرون أن الخطوتين إنما تعكسان خللاً وظيفيا في الحكومة الإسرائيلية المنقسمة انقساماً عميقا بسبب الشخصيات والسياسات. ذلك أن الحكومة فقدت ثقة معظم الإسرائيليين -حسب استطلاعات الرأي- وهو ما يجعل الزعماء الإسرائيليين يحجمون عن اتخاذ خطوات سياسية جريئة داخلياً ودولياً. ثم إنها حكومة ضعيفة من حيث التجربة الأمنية أيضاً، ما يعني أنه من غير المرجح أن يتحدى أولمرت من حزب "كاديما" ووزير الدفاع "بيريتس" من حزب "العمل" آراء الجيش الإسرائيلي وأعماله. أما التنافس بين الرجال -وهو تنافس سياسي بين زعماء الحزب، وقد تحول إلى انعدام متبادل للاحترام- فيعني أنهم وموظفوهم بالكاد يتحدثون مع بعضهم بعضاً. والواقع أن هذه الصورة لا تضم التنافس المحتدم القائم داخل حزب "العمل" أو بين أولمرت وزميلته في حزب "كاديما" نائبة رئيس الوزراء ووزيرة الخارجية "تسيبي ليفني"، التي يعتقد "أولمرت" أنها تتربص بمنصبه. وفي هذا الإطار، تقول مشرعة من حزب "العمل" وعضو في لجنة الدفاع والخارجية "هناك فوضى، ولكنها جزء من فوضى عامة أكبر حجماً"، مضيفة "ذلك أن هناك خللاً في قنوات الاتصال بين رئيس الوزراء ووزير الدفاع. ويكفي مشاهدتهما معاً للتأكد من ذلك، ذلك أنهما لا ينبسان ببنت شفة حين يجلسان معاً". يُضاف إلى حالة التوتر هذه الموقفُ التقليدي للجيش الإسرائيلي الذي يرى أنه يجب أن يكون الحكَم الأول في كل ما يتعلق بالمسائل الأمنية. ومما يُذكر هنا أنه عندما كان إسحاق رابين رئيساً للوزراء في التسعينيات، عُرف عنه قوله إن إسرائيل ستحارب الإرهاب كما لو أنه لا توجد محادثات سلام، وستفاوض من أجل السلام كما لو أنه لا يوجد إرهاب، ما يعني أن عمليات صنع القرار على كل مسار منفصلة عن بعضها بعضاً، وهو ما أدى أحياناً إلى لحظات سياسية خرقاء تشبه اللحظتين المشار إليها أعلاه. وتقول "أفيتال": "لقد كان الجيش والمخابرات دائماً هما سيدا الموقف، بغض النظر عن الآثار السياسية"، مضيفة أن "توقيت وكيفية تنفيذ غارة عسكرية ما أمرٌ متروك لسلطتها التقديرية، ولا يهمهما الظرفية السياسية. ثم إنه لا يوجد تنسيق مع السياسيين، مثلما لا توجد مراقبة مدنية كبيرة على القرارات العسكرية". والحقيقة أن الوضع يزداد سوءاً –تضيف "أفيتال"- عندما لا يُكن الجيش احتراماً كبيراً لزعمائه السياسيين، ملمحة إلى أن فترة "بيريتس" على رأس وزارة الدفاع باتت محدودة. ويرى "شلومو أفينيري"، المسؤول الإسرائيلي السابق الذي يُدرس بالجامعة العبرية، أن أحداث الأسابيع القليلة الماضية عرضية ولكنها حتمية، إذ يقول "هذه حكومة لا يتحكم رئيس وزرائها ووزير دفاعها في موظفيهما في الأجهزة الأمنية؛ كما أنهما لا يشعران بأنهما قويان بما يكفي كي يتحدوهم"، إضافة إلى أنهما غير قادرين على قراءة أفكار الجيش على غرار الجنرالات السابقين مثل رابين وشارون. أما "مارك هيلر" من "معهد دراسات الأمن القومي" بجامعة تل أبيب، فيرى أن المشكلة "تتجاوز مجرد عدم احترام رئيس الوزراء ووزير الدفاع لأحدهما الآخر"؛ ذلك أن الأنكى "أن كليهما لم يعد يحظى باحترام الجمهور بعد حرب لبنان، وخصوصاً في ما يخص المسائل الأمنية"، مضيفاً "وبالتالي، فلا أحد منهما مستعد لتغليب رأيه على رأي أحد الضباط العسكريين رفيعي المستوى". ومما يجدر ذكره في هذا السياق أن أولمرت وحكومته قررا خوض الحرب في جنوب لبنان ضد "حزب الله" في ظرف ساعة من الزمن في الثاني عشر من يوليو الماضي، بعد أن قام "حزب الله" بغارة على الحدود الإسرائيلية اللبنانية، تمكن خلالها من أسر جنديين إسرائيليين. وهي الغارة التي تلت أسر جندي إسرائيلي آخر على إثر غارة نفذتها "حماس" انطلاقاً من قطاع غزة في الخامس والعشرين من يونيو الماضي. وفي رد فعلها، اعتبرت الحكومة، التي كانت قد شُكلت قبل أربعة أشهر فقط بعد حملة انتخابية تميزت بسقوط "آرييل شارون" في غيبوبة لم يفق منها إلى اليوم، أن رداً قوياً أمر ضروري لإعادة هيبة الجيش الإسرائيلي. والحال أن الحكومة لم تُشكل من أجل خوض الحرب، ذلك أنه بالرغم من أن أولمرت سياسي محنك، فإن تجربته الأمنية محدودة. أما وزير دفاعه، الزعيم النقابي "بيريتس"، فتعد تجربته في هذا الباب أكثر تواضعاً. كما أن رئيس أركان الجيش الجنرال "دان حالوتس" رجل من سلاح الجو. والحقيقة أن الحرب لم تكن بالسريعة ولا بالنظيفة، وانتهت بوقف لإطلاق النار أقرته الأمم المتحدة بعد 34 يوماً من الاقتتال الذي لم يسفر عن فوز واضح. صحيح أن كُلاً من "أولمرت" و"بيريتس" و"حالوتس" تمكنوا من الاحتفاظ بمناصبهم، إلا أن مصداقيتهم، سواء كأفراد أو كفريق، تضررت تضرراً بالغاً. ستيفن أورلانجار مراسل "نيويورك تايمز" في القدس ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز"