في الرابع من يناير الجاري، وعندما وضع النائب المنتخب "كيث أليسون" يده على المصحف الشريف، وأدى قسم تسلمه لمنصبه الجديد، كان قد كتب صفحة جديدة في التاريخ الأميركي. فباعتباره أول مسلم يُنتخب لتولي منصب فيدرالي، وأول أميركي أفريقي ينتخب لعضوية الكونجرس من ولاية منيسوتا، فإن "أليسون" قد بعث برسالة عامة إلى العالم بأسره، عن تعدد المجتمع الأميركي وقيم التسامح والقبول والمشاركة، التي منحت بلادنا كل هذه المنعة والقوة. وعلى رغم ما مثلته تلك اللحظة من أهمية في تأكيد هذه المعاني جميعاً، فقد أثار أداؤه القسم على المصحف الشريف، انتقادات حفنة من الغلاة والمتعصِّبين، الذين يجهلون دروس تاريخنا الأميركي. على سبيل المثال حذر النائب "فيرجل جوود"، من بزوغ شمس يوم أميركي، يطالب فيه المزيد من النواب المسلمين المنتخبين باستخدام المصحف الشريف لأداء القسم على نحو ما فعل "أليسون". ومن جانبه حذر "دنيس براجر"، مقدم برامج اللقاءات الإذاعية، مما سمَّاه بخطر "أسلمة أميركا"، زاعماً أن في استخدام "أليسون" للقرآن الكريم، ما يهدد بتقويض الحضارة الأميركية. ولذلك فإن الواجب استخدامه في أداء القسم الرسمي هو الإنجيل وليس أي كتاب آخر. ولكن دعونا نطرح الحقائق كما هي ماثلة على الأرض. فالملاحظ أن غالبية أعضاء الكونجرس المنتخبين لا يضعون أيديهم على أي كتاب مقدس عند أدائهم القسم، إنما يكتفون بالوقوف إلى جانب طاولاتهم ورفع أيديهم اليمنى بينما تتلى عليهم صيغة أداء القسم التي يرددونها جماعياً. ولا يميل لاستخدام الكتاب، إلا أولئك الأعضاء الراغبون في مراسم تصوير فوتوغرافي رسمي للحظة أدائهم القسم، تعقد عادة في مكتب الناطق الرسمي باسم المجلس. وبما أن العرف قد جرى بالسماح لبعض اليهود بحمل نسخة من كتابهم المقدس معهم، فما الغريب أن يحمل "أليسون" نسخة من المصحف الشريف معه للمراسم ذاتها؟! والمثير للدهشة والاستغراب هنا، أن تلك النسخة التي قرر "أليسون" حملها معه من المصحف الشريف، لم تكن لأي شخص آخر، سوى كونها النسخة المملوكة للرئيس الأميركي المؤسس، "توماس جيفرسون"! وكم يعكس هذا احترام وسعة وعمق فهم القادة المؤسسين للأمة الأميركية لظاهرة التعدد الديني والثقافي في مجتمعنا، بدرجة تفوق كثيراً ما هو عليه سلوك عدد لا يحصى من تلامذتهم وأحفادهم اليوم. وكان قد عرف عن الرئيس جورج واشنطن دفاعه عن حرية العقيدة والأديان، لجميع المسلمين واليهود والمسيحيين وغيرهم. وعلى النهج ذاته سار خلفه الرئيس "بن فرانكلين". لذلك وباستخدامه نسخة المصحف الشريف العائدة للرئيس "جيفرسون"، إنما قصد "أليسون" عن ذكاء وحكمة، تذكير الأميركيين بما كان عليه آباؤهم وقادتهم المؤسسون من تسامح وفهم لقيم التعدد الديني والثقافي لبلادهم. وقصد "أليسون" أن يقول للجميع، إن تلك القيم التي أرساها جيل المؤسسين الأوائل، هي التي منحت أميركا مجدها وقوتها وعظمتها. ما يثير قلقي اليوم، أن الكثير من المحافظين والمتعصبين قد نسوا تلك القيم، ما يعرض طابع الحياة الأميركية كله للخطر. ثم إنه من سخرية الأزمان والتاريخ، أن ينحدر النائب "جوود" –المشار إلى انتقاداته اللاذعة لأداء "أليسون" القسم على نسخة من المصحف الشريف- من ذات المنطقة التي ينتمي إليها الرئيس والزعيم المؤسس "جيفرسون"! ومما يثير الضيق والقلق أيضاً، أن منتقدي "أليسون" لم يعبروا عن جهلهم الفاضح بتاريخ بلادهم فحسب، وإنما كذلك جهلهم بكل ما له علاقة بالقرآن الكريم. فهؤلاء إما أنه لم يسبق لهم مطلقاً أن قرؤوه، أو أنهم اكتفوا بقراءة تعليقات موتورة، رمت إلى تشويه كل ما له علاقة بالإسلام والمسلمين. ولو أنهم وفروا لأنفسهم من الوقت والاهتمام ما يكفي للاطلاع عليه، لأدركوا كم هو متسامح نص القرآن الكريم، وإلى أي مدى كان سابقًا في تبشيره بقيم التعدد والتسامح والتعايش السلمي بين شتى الأديان والحضارات والثقافات. لكن على أي حال، فقد كتب "أليسون" قصة جديدة في تاريخنا المعاصر، بأدائه القسم على المصحف الشريف.