ما الذي يتوقعه العالم من المستشارة الألمانية المعتدلة أنجيلا ميركل؟ فلاشك أنها ستكون محط اهتمام كبير خلال العام الحالي 2007، بسبب توليها مهمة رئاسة الاتحاد الأوروبي خلال الستة أشهر المقبلة، وكذلك توليها لرئاسة مجموعة الدول الثماني الكبرى على امتداد العام الحالي كله. وغني عن القول إن هذين الموقعين الرفيعين، سيمنحانها فرصة فريدة نادرة لترك آثارها وبصماتها على الشؤون الدولية. وفوق ذلك كله، يتوقع لميركل أن تكون تحت بؤرة الضوء والاهتمام العالميين لسببين آخرين، أولهما كونها أول امرأة ألمانية تتولى منصب المستشار في بلادها، وهو من الأهمية هنا في الدلالة على اختراق النساء الغربيات واقتحامهن للحياة السياسية في بلدانهن، بقدر ما شكله انتخاب رئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارجريت تاتشر، قبل عقد مضى من الزمان. أما السبب الثاني، فيتلخص في دنو اختفاء كل من توني بلير الذي واصل تولي منصب رئاسة وزراء بلاده، طوال العشر سنوات الماضية، وكذلك الرئيس الفرنسي جاك شيراك، الذي حافظ على منصبه لمدة اثني عشر عاماً كاملة، من المسرح السياسي لبلديهما خلال الأشهر القليلة المقبلة. ومع هذا الاختفاء المتوقع لمنافسيها في الزعامة الأوروبية من الساسة الرجال في كل من بريطانيا وفرنسا، فقد فتحت أمامها الآن فرص وافرة لصعود نجمها عالياً في سماء أوروبا والعالم الغربي معاً. وتبلغ ميركل من العمر 53 عاماً، وهي من مواليد مدينة هامبورج في عام 1954، وتنحدر من عائلة فلاحية، هاجرت إلى ألمانيا الشرقية. وهناك تعلمت اللغة الروسية كلغة ثانية رسمية في ظل النظام الاشتراكي السابق، إلى جانب دراستها وتخصصها في علم الفيزياء في المرحلة الجامعية، حيث نالت فيه درجة الدكتوراه، قبل ولوجها إلى ساحة العمل السياسي، إثر انهيار حائط برلين في عام 1989. وقد أعطاها توحيد الشطرين الألمانيين في العام التالي لذلك الحدث، فرصاً سياسية أوسع، توجت بانتخابها زعيمة لـ"الحزب المسيحي الديمقراطي" في عام 2000، ثم مستشارة لبلادها في العام قبل الماضي 2005. ويعد صعود ميركل إيذاناً بمرحلة جديدة من مراحل مشاركة النساء الغربيات في الحياة السياسية في بلدانهن. ففي فرنسا المجاورة، قوي كثيراً موقف المرشحة الاشتراكية سيجولين رويال الانتخابي، وانفتحت أمامها فرص واسعة لإلحاق الهزيمة بمنافسها المحافظ نيكولا سيركوزي، في انتخابات مايو المقبلة، لتكون في حال فوزها أول امرأة فرنسية تتولى رئاسة بلادها. أما في الولايات المتحدة الأميركية، وعلى إثر هيمنة "الديمقراطيين" على الكونجرس، في انتخابات نوفمبر النصفية الماضية، فقد تصدرت نانسي بيلوسي قائمة المرشحين، لتكون أول ناطقة باسم مجلس النواب، في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية. ولما كان هذا المنصب من القوة والتأثير بمكان، فقد شرعت بيلوسي سلفاً في مناهضتها من خلاله لسياسات إدارة بوش المتبعة في العراق. وكانت المستشارة الألمانية ميركل، قد سجلت زيارة قريبة لواشنطن، حيث جمعتها مأدبة عشاء عمل مشتركة مع الرئيس جورج بوش. هذا ويعرف عن ميركل عمق إيمانها وشدة حماسها لضرورة بناء علاقات تحالف وطيدة بين أوروبا والولايات المتحدة، مع العلم بأن هذه العلاقات كانت قد شرختها وصدعت جدرانها حرب بوش الأخيرة على العراق. وفي عمق رؤية ميركل، إنشاء سوق عبر أطلسية عملاقة مشتركة بين جانبي المحيط الأطلسي، أي بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية وكندا. وفي اعتقاد ميركل أن في وسع سوق كهذه أن تعزز تدفقات التجارة والاستثمارات بين أكبر معسكرين اقتصاديين عالميين. ومن قناعات ميركل أنه ليس في مقدور أوروبا وحدها أن تلعب دوراً في الشرق الأوسط، دون شراكة فاعلة بينها وبين الولايات المتحدة الأميركية. واستناداً على بعض المصادر الإخبارية الألمانية، فقد سعت ميركل للحصول على بعض التعهدات والالتزامات في هذا الشأن، من جانب الرئيس بوش، خلال زيارتها الأخيرة لواشنطن. وتتلخص تلك التعهدات في أمرين مهمين، أولهما تعهده بعدم توجيه ضربة عسكرية لإيران، وثانيهما دعمه لإطلاق مبادرة سلمية إسرائيلية- فلسطينية جديدة مرتقبة. أما فيما يتعلق بالتعهد الأول، فلم يحالف الحظ جهود ميركل، وذلك بسبب وقوع بوش ضحية لقوة نفوذ "المحافظين الجدد" على سياساته إزاء طهران. فما أكثر المتشددين في دوائر "المحافظين الجدد"، من أمثال إليوت أبرامز –بمجلس الأمن القومي- الذي يدعو إلى مواجهة إيران والشد عليها، بما في ذلك احتمال توجيه ضربة عسكرية لها. أما فيما يتصل بالمسعى الثاني، فقد أبدى بوش موافقته على إحياء وتنشيط "الرباعية الدولية" إلى جانب الموافقة على رحلة استكشافية ثانية للمنطقة، تقوم بها وزير خارجيته كوندوليزا رايس. يذكر أن ميركل نفسها تخطط لزيارة منطقة الشرق الأوسط في شهر فبراير المقبل، ولذلك فهي تريد للرباعية الدولية أن تنعقد في برلين، في وقت متأخر من الشهر الحالي. يشار إلى أن الرئيس الفرنسي جاك شيراك، أعلن دعمه لمبادرة ميركل يوم الجمعة الماضي. ففي خطاب له وجهه للدبلوماسيين الأجانب في باريس، بمناسبة العام الجديد، قال شيراك: "دعونا نقترح الدعوة لمؤتمر دولي من نوع جديد عبر الرباعية الدولية، شريطة ألا نفرض أية شروط مسبقة على أطراف النزاع، فيما يتصل بالتسوية النهائية. وفي اعتقادي أن مدخلاً كهذا، سيوفر الضمانات الكافية لما تتطلع إليه تلك الأطراف". بقي أن نقول إن مثل هذه التحركات، سواء كانت من جانب ميركل، أم من شيراك، وكذلك من قبل رئيس الوزراء البريطاني توني بلير –أثناء زيارته الأخيرة لمنطقة الشرق الأوسط- إنما تشير إلى مدى تصاعد الضغوط والمطالب بعقد مؤتمر دولي، من شأنه وضع حد نهائي للنزاع الإسرائيلي- الفلسطيني. غير أن هناك جملة من العقبات والعراقيل الكبيرة التي تقف أمام هذا الطموح. فليست تل أبيب في حالة مزاجية تمكنها من تقديم أية تنازلات حدودية، سواء للفلسطينيين أم لسوريا. ولا يزال أصدقاء إسرائيل وحلفاؤها في واشنطن على قوة تأثيرهم ونفوذهم على سياسات الإدارة وتوجهاتها فيما يتعلق بحل النزاع، ليس أقله في وسط "الديمقراطيين" أنفسهم. أما شيراك فلم يبرح تمنعه وصومه عن الحديث مع دمشق. وبسبب خلفية اضطهاد ألمانيا السابق لليهود، فليس لميركل من حيلة ولا يد رافعة، تمكنها من ممارسة ضغط يذكر على تل أبيب. وإذا ما أضفنا إلى أجندة ميركل هذه، هموم وواجبات علاقات بلادها بروسيا بوتين، وكذلك مساعيها الهادفة إلى توصل الأوروبيين لاتفاق جديد على دستور اتحادهم، لاسيما إثر انضمام كل من رومانيا وبلغاريا إليه في شهر يناير الحالي، فما أكبر المهام الواقعة على عاتق المستشارة. وإنها لأهل لذلك كما يدرك الذين خبروها وعرفوها عن كثب.